زمن العودة من الخيال إلى الواقع

كانت السلطة السياسية، من خلال تمريرها مذكرة ليبيا في البرلمان، طرفًا في الحرب الأهلية هناك، بدعوى الظهور على الساحة في شرق البحر المتوسط​؛ استطاعت في اليوم التالي وبعد ساعات من مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، أحد أقوى الشخصيات السياسية في إيران، في عملية أميركية تمت في العراق المجاور، أن تدلي بهذا التصريح "إننا نشعر بالقلق من زيادة التوتر".

وذلك في حين أن جارنا العراق يعيش توتراً واضحاً منذ فترة، وتأثير هذا التوتر علينا أكثر منه في ليبيا. المؤسف أنه ليس للسلطة السياسية اهتمام كبير بما يحدث في العراق.

لأن العراق، مثله مثل سوريا، هو ساحة للصراع على السيادة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وهناك تجري حرب بالوكالة، وتستمر في صورة "حرب باردة". لكن حرارة هذه الحرب الباردة بدأ ترتفع في الآونة الأخيرة، بسبب الاحتجاجات. ومن المتوقع أن يزيد مقتل قاسم سليماني من خطر هذا التوتر ويصل به إلى بعد جديد.

المسافة بين السلطة السياسية وما يحدث في العراق المجاور أبعد مما يحدث في ليبيا.

بالطبع، يوجد على الجانب الآخر من هذه العملية، حقيقة أن ترامب في الولايات المتحدة الأميركية ونظام الملا في إيران يعيشان مشاكل خطيرة داخل بلادهما.

ذلك أن قمع نظام الملا الذي يحكم البلاد في إيران، وحالات فرض الحصار المستمر، والظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد يحتج عليها الإيرانيون كلما سنحت لهم الفرصة. وتُقمع تلك الاحتجاجات بالعنف ليس إلا.

وبالمثل، فإن ترامب في الولايات المتحدة الأميركية يعاني بسبب تحقيقات مختلفة تُجرى معه منذ يوم انتخابه وحتى الآن. وأخيرا، تسارعت وتيرة قضية عزله من الرئاسة. وعلى الرغم من كل هذه الظروف، إلا أنه يريد إعادة انتخابه كمرشح جمهوري في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى هذا العام.

ولذلك فإن مقتل سليماني يحمل معاني ومهام مختلفة بالنسبة لترامب ونظام الملا على حد سواء.

فعلى حين استخدم ترامب العملية كدعاية للتغلب على أزمته في السياسة الداخلية، أتيحت لنظام الملا الفرصة لقمع المعارضة الداخلية، وقيادة المعارضة المناهضة للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في العالم الإسلامي.

وعندما نفكر في حالة الاستقطاب الشيعي السُّني داخل العالم الإسلامي، وفي التقارب القائم بين الولايات المتحدة الأميركية ودول مثل مصر والمملكة العربية السعودية تبرز حقيقة أن هذه الدعاية ستكون مفيدة وعملية لتلك الأطراف.

حسنٌ؛ فأين تقف تركيا في هذا المشهد؟

ما هي السياسة التركية الخارجية، وبمعنى أصح ما هي السياسة الخارجية للسلطة السياسية؟

إلى من هي قريبة، وعمَّن هي بعيدة؟

إن السياسة الخارجية للسلطة السياسية، إلى جانب الخيارات السياسية التي فضلتها بعد الربيع العربي، قد انفصلت عن واقع العلاقات الدولية.

بدأت السلطة السياسية، ولا سيما تزامنًا مع فوز مرسي في مصر، ترى نفسها زعيمًا للعالم العربي، وليس فقط للشرق الأوسط، وبدأت تتحدث إلى العالم بهوية "الزعامة الخيالية" هذه.

صارت تركيا، حتى عام 2010-2011، "بلدا نموذجيًا" بالنسبة للشرق الأوسط والعالم العربي، بفضل السياسات التي اتبعتها داخليًا وخارجيًا على حد سواء.

فكانت سياسات تركيا تلك:

أ) متوافقةً ومتماشيةً مع عملية التحول الديمقراطي والتطبيع في الداخل.

ب) ومتوافقةً مع التغيير الكبير الذي يحدث في العالم الخارجي.

وبدأ حزب العدالة والتنمية يرتفع في التسلسل الهرمي الإقليمي تزامنًا مع موجات التغيير المتوالية المتراكبة، في داخل البلاد وخارجها على حد سواء، وبدأ يُعرف كدولة نموذجية.

ولكن هذه النموذجية كانت معبرة بفضل ديمقراطية تركيا، وإن كانت ناقصة، وعلمانيتها، وترشحها لعضوية الاتحاد الأوروبي، والتلازم الكبير بين الإسلام والديمقراطية.

صارت كل الخيارات السياسية للسلطة السياسية بعد 2011 خطوة للوراء وتراجعًا عن المكتسبات التي كانت جعلت من تركيا "بلدًا نموذجيًا". لهذا السبب لم تعد تركيا نموذجًا بالنسبة للشرق الأوسط والعالم العربي اليوم، بل على العكس صار يُنظر إليها على أنها "العثمانية الجديدة".

لقد رأينا نتائج هذا التصور في سوريا، ورأيناه في مصر؛ إذ فقدت السلطة السياسية مكانتها السياسية في الشرق الأوسط وفي العالم العربي باعتبارها طرفًا بسبب خياراتها الأيديولوجية في تلك المناطق.

في حالة سوريا ومصر، رأينا أن المبدأ الرئيسي للسياسة الخارجية هو "السياسة الواقعية". فالقواسم الثقافية والتاريخية والدينية يمكنها أن ترتقي بالعلاقات إلى نقطة ما، كما أن الصداقات الأبدية لا يمكن أن تكون أبدًا.

يبدو أن السياسة الخارجية التركية تجاهلت هذه الحقيقة على الأكثر في السنوات الأخيرة. الإسلام كدين، والسنة كمذهب، والتاريخ أو الماضي العثماني كثقافة قدم فرصًا جديدة لتركيا في الشرق الأوسط وأفريقيا؛ بينما قدمت الهوية العرقية التركية فرصًا جديدة لها في آسيا الوسطى. لكن لا يمكن تحقيق كل هذه الفرص بالسياسية المثالية؛ بل بالسياسة الواقعية.

إن كون تركيا تمثل نموذجًا للدولة المسلمة والديمقراطية والعلمانية على حد سواء بالنسبة للدول التي تربطنا به علاقات قرابة دينية وثقافية وعرقية في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى يعتمد على التوازنات وعملية التغيير التي تجري في العالم خارج إطار إرادتنا.

كان هذا التوازن واتجاه التغيير إلى جانب تركيا حتى عام 2011. لكن الحقيقة التي يجب أن نراها هي أن هذا التوازن واتجاه التغيير لم يعد إلى جانبنا.

وكما أن السلطة السياسية لا تقبل هذه الحقائق، فإنها لا تزال تصر على أن تكون طرفًا في النزاعات الجارية في الشرق الأوسط والعالم العربي. ومذكرةُ ليبيا الأخيرة تكشف أنه لم يتم أخذ أية عبرة مما يحدث في مصر وسوريا.

وفي هذا الصدد، فإن تركيا لا تستطيع أن تأخذ مكان المملكة العربية السعودية في التوتر القائم بين السُّنة والشيعة في العالم الإسلامي، ولا أن تنتزع من مصر قيادة العالم العربي.

فبهذه السياسة الخارجية، التي انفصلت عن الواقع، أصبحت السلطة السياسية "دولة غير مرغوب فيها" تقريبًا في الشرق الأوسط وفي العالم العربي أيضًا.

وفي هذه المرحلة الجديدة التي بدأت مع اغتيال قاسم سليماني، يمكن أن تكون تركيا أيضا إحدى الدول التي ستتأثر بالتهديدات والهجمات المحتملة.

إن ما يحدث في العراق قد يكون فرصة للسلطة السياسية من أجل العودة من الخيال إلى الواقع في السياسة الخارجية.

والسبيل إلى تحقيق ذلك يتمثل في التخلص من حلم تولي "زعامة" المنطقة، والرجوع إلى القيم التي جعلتنا ذات يوم "نموذجًا" بالنسبة للمنطقة.

وبعبارة أخرى، الرجوع إلى الديمقراطية، أي إلى أهداف الاتحاد الأوروبي، أي إلى العلمانية، أي إلى قيم الجمهورية ...

وإلا فإنه يستمر دفع ثمن هذا الخيال والأحلام...

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية ايضاً:

https://ahvalnews.com/tr/libya/hayalcilikten-gercege-donme-zamani
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.