تركيا وخطابها الاستعماري لشرعنة أهدافها الإمبريالية

هل ترى القوى الاستعمارية نفسها عدوانية، ونفعية، ولا تحترم حق الآخر؟ بالطبع لا. إذا نظرنا إلى خطاباتهم على مدار التاريخ، فإننا بكل تأكيد سنرى أنهم يستخدمون طرقًا للتخفيف من تأنيب ضمائرهم.

فعلى سبيل المثال، نجد أن قوى النهب والاستعمار التي شنت عبر التاريخ حملاتها وهجماتها شرقًا، وغربًا، وجنوبًا، وشمالًا، وقامت باحتلال العديد من البلدان، كانت ترى نفسها على حق دائمًا. فهؤلاء إما أنهم كانوا يتحدثون آنذاك عن حق السيف، أو اعتبروا أن غزواتهم وفتوحاتهم تلك كانت أمرًا مشروعًا وجاءت إيمانًا بزعم يقولون فيه "لقد استولينا على هذه الأرض بعد أن سفكت منا دماء"، أو أنهم اعتبروا أن انتشارهم وتوسعهم أمرًا حقًا مدّعين أنهم "كانوا منصفين جدًا...". بل إنهم كانوا فخورين للغاية بما فعلوه. ولقد دأبت القوى الاستعمارية على إبراز مقولتهم الشهيرة "قمنا بجلب الحضارة إلى المناطق والشعوب المتخلفة"؛ وذلك في مسعى منهم لشرعنة وتبرير ما قاموا به في حق شعوب أخرى.

هذا بالضبط ما قاله الشاعر والروائي البريطاني، جوزيف روديارد كيبلينج، في قصيدة له صدرت عام 1899 تحت عنوان "عبء الرجل الأبيض". تمثل القصيدة دعوة إلى “الرجل الأبيض” من أجل أن يقوم بواجبه تجاه "الأمم المتخلفة" ليقوم بتمدينهم وانتشالهم من البدائية التي يعيشون فيها.

وقد جاءت القصيدة بالتوازي مع احتلال الولايات المتحدة للفلبين. فكانت بمثابة الغطاء الفكري أو تبرير لهذا الاحتلال، وتعبير عن أحداث استعمارية سابقة لذلك التاريخ. تعتبر القصيدة بمثابة شعار غلف المرحلة الاستعمارية/الإمبريالية الأوروبية الحديثة فيما بعد.

ولا زالت مثل هذه التصورات والأفكار مستمرة حتى يومنا هذا. فكل هجوم واعتداء على حقوق الآخرين يجد من يتصدى بالدفاع عنه بكل ما أوتى من منطق لتبرير هذا الصنيع.

يمكننا أن نعتبر أن هذا النوع من التصورات والمفاهيم "خداع لأنفسنا". فبالأساطير التي اختلقناها بأنفسنا انتهكنا حقوق الشعوب، وقمنا بحماية مصالحنا، بل وأرحنا ضمائرنا. وتحضرني في هذا المقام جملة كانت قد قابلتني أثناء تصفحي في الكتب المدرسية اليونانية في فترة من الفترات، وتقول هذه الجملة "لم يكن الإسكندر الأكبر مجرد فاتح كبير سيطر على إيران ومصر فحسب، بل كان أيضًا شخصًا عظيمًا جلب الحضارة معه...وكي يحظى بمحبة شعوب تلك البلدان احترم دينهم وتقاليدهم وعاداتهم". وعلى نفس الشاكلة وجدت جملة مشابهة في الكتب المدرسية التركية تقول "السلطان محمد الثاني (أي الفاتح) ضرب أروع الأمثلة على عظمة الأمة التركية، وسلوكها الإنساني. إذ سمح لأهالي المدينة (في إشارة لإسطنبول بعد فتحها) بالبقاء على دينهم وتقاليدهم وعاداتهم، التي كانوا عليها من قبل".

وها نحن في العصر الحديث نرى وكأن التاريخ يعيد نفسه، فنجد أن الولايات المتحدة الأميركية تقول بنفس المنطق إنها تهدف من وراء دخولها العراق، نقل الديمقراطية إلى ذلك البلد. وهذا أمر لا يصدقه أحد في تركيا التي هي نفسها تقول وبنفس المنطق الفاسد إن جيشها في سوريا ذهب من أجل "إرساء الحق والديمقراطية".

وأنا أتابع تطورات العالم من حولي تأكد لي بما لا يدع مجالًا للشك أن العالم الأكاديمي المسمى بـ"العلاقات الدولية"، ما هو في حقيقة الأمر إلا "نوع من ممارسات معني بتطبيق المعايير المزدوجة". فالدبلوماسيون جعلوا من هذا الأمر فنًا برعوا فيه. فن لّي الكلمات وتحويرها. ارتضوا من خلال ذلك أن يلحقوا بالآخرين من المصائب ما لا نرضاه لأنفسنا طمعًا في وظيفة أو حق ما.

في مقال سابق لي كنت قد سردت الشعارات التي يتم ترديدها وإبرازها حينما تطمع دولة ما في أراضي دولة أخرى، وترغب في السيطرة عليها. وقلت إنه وبحسب المواقف نستخدم بعضًا من تلك الشعارات أو كلها لتسيير أمورنا كيفما نشاء. هذا إلى جانب  كلمات "الحقوق والحجج والمبررات" التي تستخدم بكثرة في مثل هذه المواقف. وذلك على النحو التالي: 1- الحقوق التاريخية (فذلك المكان/في إشارة للأراضي التي يريد طرف احتلالها كتركيا/ لنا منذ القدم)، 2- حقوق نابعة من القانون الدولي، 3- حقوق نابعة من الاتفاقيات الثنائية، 4- حق الشعوب في تقرير مصيرها (بالطبع لو كانت هذه الشعوب منا)، 5- حجة حماية حقوق الأقليات، 6- المخاوف الأمنية (بالطبع إذا كان الأمر متعلق بحقوقنا الأمنية)، 7- القرب من الوطن الأم، 8- حق المحافظة على مصالحنا، 9 – حق الفوز بالحرب.

بعض هذه المبررات والحقوق المذكورة أعلاه، استخدمت من قبل عند الهجوم على الأراضي العثمانية والتركية. نعم وبالتأكيد بعض هذه الحقوق متناقضة مع بعضها البعض. فالقانون الدولي من الممكن أن يكون ضد مصالحنا؛ كما أن تحديد الشعوب لمصائرها قد لا يتسق مع أمننا؛ وهكذا. لكن ما يحدث هنا هو ازدواجية المعايير كما بينت.

ومن المفارقات التي تدعو للسخرية، أن أكثر الخطابات شيوعًا في تركيا هي الخطابات المعادية للإمبريالية. فمثلا حرب الاستقلال التي خاضتها تركيا من قبل توصف بأنها "ضد الاستعمار". أما نظرية المؤامرة المسيطرة على تركيا هذه الأيام تعتبر "تهديدًا استعماريًا". التاريخ التركي ممتلئ عن آخره بالحجج والمبررات والحقوق التي تساق لتبرير عمل ما تقوم به الدولة.

فمن قبل كان السلطان يقول للجيش وهو بصدد الخروج لشن حملة عسكرية أو غزوة "ليكن غزوكم ممنونًا مباركًا". إذن من الطبيعي أن يقول أي سياسي الآن "لن يتم الأمر دون سقوط شهداء". هذا ميراث ورثه الأحفاد عن الأجداد.

لكن يمكننا القول إن المعايير المزدوجة ليست نتاج نية سيئة أو مكر ما. بل هي تصرف ظهر للنور عندما فكر الإنسان بحسن نية وبطريقة سليمة وصادقة. إنها النتيجة الطبيعية لـ "التعليم" الوطني. فالإنسان عندما تأتيه من الخارج معلومات وبيانات، يقوم بشكل غير شعوري بتمريرها من فلتر خاص بقيم معينة، ويتعامل معها على هذا النحو. فيعتبر بعض هذه المعلومات تافهًا، والبعض الآخر أساسي ولا غنى عنه؛ كما أنه لا يرى بعضها مطلقًا، فيما ينظر إلى البعض الآخر على أنه أمرًا حيويًا...وفي نهاية المطاف يستطيع في ظل  كل هذه المعايير والقيم، أن يقرر بنفسه ما هو "الصواب" وما هو "الحق". لكن من المثير للانتباه، أن كل شخص وطني ومؤيد للإمبريالية يرى جانبه دائمًا على حق!

بالطبع، عندما يتم استيعاب الخطاب الإمبريالي والتشبع به داخليًا، فإن جوهره يصبح غير مرئي مطلقًا. ثقافة الحرب هي تجربة طبيعية، فالموت والقتل باتا أمران مألوفان. هذا هو ثمن "عبء الرجل الأبيض": المجتمع لا يسعى لتحقيق الوئام والازدهار، بل يعيش في صراع وتوتر.

•    الآراء الواردة في هذا المقال تُعبّر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/turkiye/emperyalist-soylem
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.