تركيا تمارس نفوذاً قوياً على إدارة ترامب

هناك الكثير من الأمور المشتركة التي تجمع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيّب أردوغان، بداية من الخلفية السياسية، ووصولاً إلى الطباع الشخصية.

فقد وصل كل منهما إلى السلطة بعد مواجهة من كان يرآهم وقتها حفنة من الأعداء، ومن بينهم المؤسسات الإعلامية والسياسية التي لم تكن ترغب في أن تراهما ناجحين. وكل منهما يحكم بلاده بنموذجه الخاص للشعبوية، الذي يضع مجموعة من الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية، والطبقة البيروقراطية غير المسؤولة، في بوتقة الأعداء المنحازين ضده، ومن ثم ضد ناخبيه.

لكن بعيداً عن روحيهما المتآلفتين، فقد يكون هناك شيء آخر أكبر من هذا يسمح لأردوغان بالتأثير على ترامب على نحو يبدو منقطع النظير.

ومنذ أن انتُخب ترامب في عام 2016، نجحت تركيا في تفادي الانتقام منها بسبب عدة أفعال ارتكبتها. فقد تورطت شركات تركية في مخططات للالتفاف على العقوبات ذات الصلة بإيران وفنزويلا، بينما مضت أنقرة قُدماً في الحصول على نظام صواريخ الدفاع الجوي إس-400 من روسيا، وهي تعلم أن هذا يُشكِّل انتهاكاً للعقوبات الأميركية. وكان التنازل الأكبر هو انسحاب القوات الأميركية من شمالي سوريا، حيث عملت تلك القوات مع ميليشيا كردية تعتبرها تركيا منظمة إرهابية. وقد أُعلن هذا الانسحاب مرتين وتأجل مرتين.

لكن بغض النظر عن مدى جرأة هذه الأفعال، أو علو صوت الانتقادات، فإن ترامب ظل ممانعاً في التصدي لأردوغان، وآثر الدفاع عن الرئيس التركي تارة، ومدحه تارة أخرى.

وبينما لا يبدو أن أيّاً من هذه الإجراءات سيكون مفيداً للسياسة الأميركية، يُثير مراقبو إدارة ترامب من آن إلى آخر شكوكاً حول خدمة هذه الإجراءات أهداف ترامب السياسية والشخصية.

وبرزت مخاطر تضارب المصالح ذي الصلة بتركيا منذ بداية إدارة ترامب. وقد ذهب جون بولتون، مستشار ترامب السابق للأمن القومي، إلى أبعد من ذلك، حتى إنه رجّح أن يكون الرئيس الأميركي متأثراً بالمصالح الشخصية في تركيا، بعد انسحاب ترامب في الآونة الأخيرة من سوريا.

وظلت تركيا طويلاً تدور في فلك ترامب. وفي عام 2012، بُني برج ترامب في إسطنبول، وشكرت ابنته إيفانكا أردوغانَ شخصياً على تويتر لحضوره الحفل. وقد بُني البرج بمساعدة رجال أعمال أتراك مقرّبين من أردوغان، من بينهم أمر الله تورانلي، رئيس مجلس إدارة مجموعة تاشيابي، الذي قدّم تصريح البناء في وقت لاحق لصديق آخر من أصدقاء أردوغان، وهو آيدين دوغان، قطب البناء والإعلام في تركيا.

ونطاق العلاقة بين الجانبين أكبر من برج ترامب؛ فالكثير من الأثاث الذي يحمل العلامة التجارية لترامب يتم توريده من دوريا إنترناشيونال، وهي شركة تصميمات داخلية تركية مشهورة، تفخر بتأثيث عقارات ترامب في أنحاء الولايات المتحدة، ومكاتب في تركيا تابعة للرئاسة التركية ووزارات أخرى. وفي إطار اتفاقيات الترخيص والتأثيث، نُشر إفصاح مالي قبل تنصيب ترامب، قدّر حجم ما يجمعه كيان ترامب من هذه العمليات في تركيا بحوالي 11 مليون دولار.

وقبل فوزه في انتخابات عام 2016، وبعدها، لم يخجل ترامب، ولا الأتراك الذين تربطهم علاقة به أبداً من هذه العلاقة.

وقال ترامب في مقابلة إذاعية عام 2015، "لدي تضارب بسيط في المصالح لأن لدي مبنى عملاق في إسطنبول".

ولم يشعر شركاؤه بالخجل أيضاً، وتفاخر دوروك يورغانجي أوغلو، رئيس دوريا إنترناشيونال، قائلاً "شريك أعمالي هو رئيس الولايات المتحدة، بينما نشر تورانلي – رئيس مجموعة تاشيابي – صورة لنفسه على إنستغرام في مارس 2017 وهو يلتقي بترامب أثناء حضور حفل لجمع التبرعات مع شخصيات قيادية أخرى من الحزب الجمهوري.

والشخصية الأبرز بين شركاء أعمال ترامب الأتراك هو محمد علي يالجين داغ، صهر دوغان. أشارت تقارير إلى أن يالجين داغ كان مع ترامب عندما أُعلن رئيساً جديداً للولايات المتحدة. تواصلت السفارة التركية في واشنطن بعد ذلك بسرعة مع يالجين داغ ليكون قناة تواصل مع الإدارة الجديدة.

عيّن أردوغان يالجين داغ بعد ذلك رئيساً لمركز الأعمال التركي الأميركي، وهو منصب حصل عليه لأسباب ليس أقلها علاقاته بأسرة ترامب. تولت شخصيات تركية أخرى بارزة مناصب في واشنطن، بينهم روميسا كالين كاربولوت، ابنة إيراهيم كالين، رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية. عُّنت روميسا في شركة سولتزمان آند إيفينتش للمحاماة، والتي اتُّهمت بالتجسس داخل الولايات المتحدة لصالح تركيا. يرأس الشركة غوناي إفينش، الذي تورط في حشد الدعم لمصالح الحكومات التركية في واشنطن على مدى عقود، والمعروف بعدم ارتباطه أيديولوجيّاً بحكومة أردوغان الحالية.

وأنفقت الحكومة التركية أيضاً بسخاء على عقارات ترامب في واشنطن منذ تنصيبه. فقد استضافت الخطوط الجوية التركية إحدى الفعاليات في نادي ترامب الوطني للغولف عام 2017، بينما استضاف مجلس الأعمال التركي الأميركي مؤتمره السنوي في فندق ترامب العالمي مرتين، منذ أن أصبح ترامب رئيساً. وكان ذلك في وجود الرئيس السابق للمجلس أكيم ألب تكين، والحالي يالجين داغ. وهذا الفندق وجهة شهيرة للكثير من الممثلين الأجانب الساعين إلى التودد للإدارة.

وبدا يالجين داغ من جديد في المكان الصحيح والوقت الصحيح، عندما وقع عليه الاختيار لمنصب رئيس مجلس إدارة ياندكس التركية، وهي نسخة روسية من غوغل، في عام 2012. وتشير تقارير إلى أن يالجين داغ تربطه علاقات أيضاً بالملياردير آركادي فولوز، مؤسس ياندكس ورئيسها التنفيذي، وقيصر التكنولوجيا لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وليس ترامب وحده في إدارته الذي لديه مصالح مثيرة للشكوك مع تركيا. فهناك أيضاً مايكل فلين، مستشار ترامب الأول للأمن القومي، ومحاميه الشخصي رودي جولياني، وصهره جاريد كوشنر، وجميعم استُجوبوا بشأن علاقات مشابهة.

كتب فلين مقال رأي، عندما كان مستشاراً لترامب عام 2016، انتقد فيه رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن، ووصفه بأنه "أسامة بن لادن التركي"، وحث على دعم سعي أنقرة لتسليمها الرجل الذي تتهمه بالضلوع في محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت عام 2016.

جرى التحقيق مع فلين، وابنه، ورجل الأعمال بيجان بافيكيان، على يد فريق التحقيق التابع للمستشار روبرت مولر، بشأن عدم تسجيلهم أنفسهم في سجلات عملاء جماعات الضغط، الذين يعملون لصالح جهات أجنبية، فضلاً عن مخطط مُتصوَّر لاختطاف غولن من منزله في بنسلفانيا.

وما زال ألب تكين، وهو أحد موكلي فلين والرئيس السابق لمجلس الأعمال التركي الأميركي، عضواً في المجلس التنفيذي للمجلس. وهو حليف لأردوغان، ووُجهت إليه اتهامات لدوره في القضية، بينما لم توجه اتهامات لفلين.

ولدى ألب تكين، الذي أعطى فلين صفقة لحشد الدعم بقيمة 600 ألف دولار قبل أن يختاره ترامب ليكون مستشاراً للأمن القومي، علاقات أعمال مع روسيا وبوتين، وفقاً لما تُظهره سجلات المحكمة. ووافق الرئيس الروسي شخصياً على قرض لشركة لدى ألب تكين حصة فيها.

وهناك ربط أيضاً بين يالجين داغ وروسيا. فقد عُيِّن رئيساً لمجلس إدارة الشركة التركية التابعة لياندكس في عام 2012، وهو معروف عنه أنه مقرّب من الملياردير آركادي فولوز.

جرت الاستعانة بجولياني للانضمام إلى الفريق القانوني لرضا ضرّاب، وهو مقيم في أبراج ترامب وُجّهت إليه اتهامات لدوره في مخطط للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، تورّط فيها بنك خلق التركي الذي تديره الدولة. ووصف أردوغان القضية بأنها جزء من انقلاب دولي، وضغط من أجل صرف النظر عنها.

قدم جولياني شهادة في القضية، قال فيها إنه تم الإبقاء عليه سعياً لحل القضية "في إطار اتفاق بين الولايات المتحدة وتركيا، سيعزز مصالح الأمن القومي الأميركي ويصب أيضاً في صالح السيد (رضا) ضرّاب". وما لم يكشف عنه جولياني هو أنه التقى بأردوغان قبل ذلك بشهر، وكان يعمل مستشاراً أول في شركة غرينبيرغ تراوريغ، وهي إحدى شركات جماعات الضغط وحشد الدعم لدى تركيا تعاقدات معها. ويُنكر هو والشركة وجود أي تأثير لممارسات جماعات الضغط التي تمارسها على تورط جولياني في القضية.

لكن جهود جولياني لم تتوقف عند ضرّاب. فقد أبلغ مسؤول سابق في إدارة ترامب صحيفةَ (واشنطن بوست) بأن جولياني أثار موضوع غولن كثيراً جداً لدرجة أن مساعدين آخرين خشوا أن يكون يعمل بالنيابة عن تركيا. حدث هذا عندما كان ترامب يعمل محامياً شخصيّاً لترامب.

ولم يكتنف علاقات كوشنر مع تركيا الغموض القانوني ذاته الذي اكتنف آخرين، لكن شبكة إن.بي.سي ذكرت أن محققي مولر تواصلوا مع أشخاص في تركيا عام 2017 للوقوف على احتمال أن يكون كوشنر قد تم التأثير عليه بشكل غير ملائم.

ويحتفظ كوشنر أيضاً بعلاقة صداقة مع محمد يالجين داغ وبيرات البيرق، صهر أردوغان ووزير الخزانة والمالية. وتوقع أردوغان حتى أن تكون علاقاتهم سبباً في إعادة العلاقات الأميركية التركية "إلى مسارها".

وذكرت نيويورك تايمز أن البيرق ويالجين داغ كانوا يحضرون مؤتمر مجلس الأعمال التركي الأميركي في فندق ترامب، عندما استدعى كوشنر البيرقَ إلى البيت الأبيض. سُمح للبيرق بعد هذا بعرض أمر عدم فرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها إس-400 على ترامب بشكل مباشر. في الوقت ذاته، حضر يالجين داغ اجتماعات في وزارة الخارجية والكونغرس، حيث فعل الأمر ذاته، وشجّع على الموافقة على هجوم تركي في شمالي سوريا.

في النهاية، لم تواجه تركيا بعد أي عقوبات أميركية بسبب شرائها صواريخ إس-400 الروسية الصُنع، وأعطى ترامب الضوء الأخضر لعملية أردوغان في سوريا في أكتوبر الماضي. ويبدو أن أردوغان استفاد كثيراً من هذه العلاقة الخاصة، وأن ترامب قادر أيضاً على حماية مصالحه المالية وشعبيته في تركيا. ومن غير الواضح إلى الآن ما إذا كانت هناك أي صفقات أعمال أخرى بين الأسرتين.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-us/turkey-exerts-strong-influence-trump-administration
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.