تركيا: من جمهورية فاشلة إلى دولة مارقة

في أكتوبر 2015، كتبت مقالا عن الشؤون التركية، وقوبل بشكوك عميقة. وفيما يلي مقتطفات منه:

"يوما بعد يوم ، تأتي الحكومة بممارسة لا تصدق. والأسوأ من ذلك، نرى المجتمع صامتا وغير مستجيب في مواجهة ممارسات الحكومة غير المنطقية التي تتصرف مثل قطة معترضة. يعكس هذا تدهور المجتمع... ستدفع البلاد، وهي تدفع بالفعل، ثمنا باهظا لهذا. لكن الثمن الأعلى سيكمن على الأرجح في تأسيس رجب طيب أردوغان لنظام اجتماعي خاضع وسلبي وفاشي يديره بقبضة حديدية ويصوّره على أنه "استقرار" ووصفة للخلاص من الانحلال.
في نفس الوقت، يفقد العالم اهتمامه بتركيا بشكل يصعب إصلاحه. فمنذ سنة 2004، تحدت محاولة البلاد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والنهج الإصلاحي الذي يتبعه حزب العدالة والتنمية  مزاعم أن الإسلام لا يمكن أن يتعايش مع الديمقراطية سلميا. وحثت إصلاحية حزب العدالة والتنمية الباحثين على التشكيك في منظورهم، والنظر إلى تركيا بتعاطف. وظهرت تركيا كشريك حقيقي له رأي في الشؤون الدولية لأول مرة. ومثل نموذج "الديمقراطيين المسيحيين"، بدأ مصطلح "الديمقراطيين المسلمين" يظهر في الأدبيات السياسية. وعززت الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هذه النظرة. وبدأ خبراء تركيا يظهرون في الغرب وفي كل مكان.
اليوم، نشهد إحباط هذا الاتجاه. إذ تتعارض أجندة تركيا مع أجندة العالم. أليست "الدولة الفاشلة" تعريفا مناسبا لتلك البلاد، أين تغرق الدولة والمجتمع في دوّمة الانهيار؟"

منذ نشر المقال، انهارت مؤسسات الدولة التركية من الجامعات والجيش إلى القضاء والإدارة العامة ووزارة الخزانة وخضعت لعدد من أتباع الرئيس رجب طيب أردوغان. وكان اختفاء نظام الضوابط والتوازنات من هذه المؤسسات الرئيسية قاتلا. كما انتهت حريّة الإعلام وبدت المعارضة غير فعالة ومطيعة عندما يتعلق الأمر بمغامرات الحكومة الخارجية. ويجب ألا نتعجّب من تحول الدولة الفاشلة إلى دولة مارقة خلال السنوات الخمس الماضية. فقط، ألقِ نظرة على هذه المغامرات الأجنبية.

في ليبيا، تنشغل الأطراف المتحاربة في التفاوض في مصر والمغرب وتونس وسويسرا بمساعيها للتوصل إلى سلام دائم. وهناك إجماع بين الأطراف الثلاثة المشاركة في الصراع وبقية المجتمع الدولي (باستثناء تركيا وحليفتها الغنيّة قطر) على أهمية دعم هذه الجهود.

أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إعلانا سيتبعه قرار بالإجماع حول جهود السلام في ليبيا. وتبقى أنقرة الطرف الوحيد الذي أظهر استياءه من خلال وكلائه في العاصمة الليبية طرابلس، رئيس المجلس الأعلى للدولة ووزير الدفاع. ويواصل الوكلاء المؤيدون لأنقرة التأكيد على أن جميع الاتفاقات الثنائية السابقة بين أنقرة وطرابلس ستظل سارية وأن الوجود العسكري التركي في ليبيا، مع فيلقها من الجهاديين، لا جدال فيه. هذا هو الموقف المتغطرس وغير القانوني التي تمارسه الدول المارقة.

في قره باغ، انتُهك وقف لإطلاق النار بين الأطراف المتصارعة. ومع ذلك، نرى الرؤساء المشاركين لمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فرنسا وروسيا والولايات المتحدة، منشغلين في السعي لإنهاء العنف وتسيير المفاوضات من أجل سلام دائم. وفي هذا الإطار من التفاهم والجهود المشتركة، يبرز الطرف الثالث الوحيد الذي لا يزال يدعو للحرب، وهو تركيا التي أرسلت جنودها وأسلحتها، بما في ذلك الطائرات، إلى أذربيجان ، بالإضافة إلى الجهاديين الذين صدرتهم إلى الحرب. هذا هو الموقف المتغطرس وغير القانوني التي تمارسه الدول المارقة.

في بحر إيجة والبحر المتوسط​، ينشغل نظام أنقرة في مطالباته بالسيادة. ولا يجري هذا من خلال المحادثات والمفاوضات ولكن عبر السفن الحربية. لا يرفض أحد مزاعم أنقرة والقبارصة الأتراك بشأن الحدود صراحة، لكن هناك دبلوماسية وقانونا دوليا مصمما لحل النزاعات. ولم تنجح أي من جهود الوساطة التي بذلها الأمين العام لحلف الناتو المثير للشفقة والدبلوماسية الألمانية الخرقاء في جلب أنقرة إلى طاولة المفاوضات. هذا هو الموقف المتغطرس وغير القانوني الذي تمارسه الدول المارقة.

في سوريا، تغذي تركيا التخريبية جيش المتطرفين وقوة الاحتلال. ولا يوجد دليل على التزامها بالاتفاقيات الدولية التي تنظم المناطق التي يمكن أن تنشط فيها. وتحاول أن تمارس عمليات تصنّف ضمن جرائم التطهير العرقي في الأراضي المحتلة علانية، وتشجع على نهب ممتلكات السكان الأصليين، وتفرض منهجا تركيا في المدارس وتختطف المواطنين السوريين لمحاكمتهم على الأراضي التركية. هذا هو الموقف المتغطرس وغير القانوني التي تمارسه الدول المارقة.

في أوروبا، تبنت أنقرة لغة تنتهك جميع مبادئ الدبلوماسية الكلاسيكية، واستبدلتها بالتهديدات، كما رأينا في تصريحاتها ضد قبرص وفرنسا واليونان، وشتمها للمسؤولين الهولنديين والفرنسيين والألمان. هذا هو الموقف المتغطرس وغير القانوني الذي تمارسه الدول المارقة.

وأخيرا وليس آخرا، نذكر رعايتها للتشدد الإسلامي بممارسات موثقة لدى الهيئات الدولية الحكومية وغير الحكومية. فهي تقدّم الدعم المالي والفني والسياسي والعسكري لجيش من الجهاديين، ويتكون من مجموعات تراها الأمم المتحدة إرهابية، والتي تنشط من أفريقيا جنوب الصحراء إلى القوقاز. أصبحت المراكز السكانية التركية الرئيسية مثل أنقرة وأنطاكية ومرعش وإسطنبول ملاذات آمنة للجهاديين الدوليين وعائلاتهم. ويشير هذا إلى دولة مارقة، إن لم تكن مؤيدة للإرهاب.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/republic-turkey-failed-rogue-state
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.