سياسة تركيا النقدية المتقلّبة

قدّم شهاب قاوجي أوغلو، وهو ثالث محافظ للبنك المركزي في أقل من ثلاث سنوات، تقرير البنك الثاني بشأن التضخم الفصلي لتركيا لسنة 2021 يوم الخميس.

كما كان متوقعا، رفع البنك تقديرات التضخم لنهاية السنة إلى 12.2 في المئة من الهدف البالغ 9.4 في المئة الذي حدده المحافظ السابق ناجي إقبال في يناير. وأشار البنك إلى ارتفاع أسعار الواردات بسبب الانخفاض الكبير في قيمة الليرة كسبب رئيسي للزيادة. وساهم الطلب المحلي، الذي قال قاوجي أوغلو إنه ظل قويا على الرغم من التشديد النقدي الذي فرضه فريق إقبال، بنسبة 0.4 نقطة مئوية في الزيادة، كما ساهم تسريع تضخم أسعار السلع العالمية بالمثل.

وفي تفاصيل التقرير الأخير، تغاضى البنك المركزي تماما عن عامل حاسم في ديناميكيات التضخم الأقوى، متصرفا كما لو أنه لم يكن أبدا.

كما تظهر الرسوم البيانية من تقرير البنك المركزي أدناه، كان ارتفاع حاد في السندات الأميركية لأجل عشر سنوات المساهم الرئيسي في تدفق رأس المال إلى الخارج من البلدان النامية. وبدأ هذا الاتجاه في نهاية شهر يناير (الرسم البياني الأيسر - الخط الأسود)، لكن شيئا مختلفا تماما حدث في تركيا. فمنذ منتصف شهر مارس، بدأ رأس المال يتدفّق من البلاد بسرعة كما لو كان مطاردا بسلاح (الرسم البياني الأيسر - الخط الأحمر).

كانت تدفقات رأس المال الخارجة من البلدان النامية بسبب ارتفاع عائدات السندات الأميركية. لذلك، لم يكن هناك تدهور عام في علاوات المخاطر في أسواق الدول (الرسم البياني الأيمن - الخط الأسود). وفي تركيا، ارتفعت علاوات المخاطر في منتصف سنة 2020 مع تآكل احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية. ثم عاد الوضع إلى طبيعته إلى حد ما بعد أن عين الرئيس رجب طيب أردوغان إقبال في أوائل نوفمبر وشدد على السياسة النقدية بشكل كبير. ولكن، وكما نرى في الرسم البياني الأيمن، قفزت علاوات المخاطرة في تركيا بعد ذلك إلى حوالي 500 نقطة في منتصف شهر مارس، عندما استمرت هجرة رأس المال.

risk premium emerging markets

بينما يشدد البنك المركزي على الاتجاهات العامة في البلدان النامية ويؤكد بانتظام على تأثيرها على التضخم في تقاريره، لا يعطي أي تفسير لسبب التحركات التي تشهدها تركيا.

ومع ذلك، فنحن نعرف الإجابة جيدا.

قرر أردوغان، الذي يرى البنك المركزي ضمن سلطته ويتدخل في السياسة النقدية لأغراض سياسية، إقالة إقبال بعد أربعة أشهر من تعيينه، واستبدله بقاوجي أوغلو.

نعلم أن فريقا فنيا في البنك المركزي هو من يعدّ تقرير التضخم ربع السنوي، وأن علاقات السبب والنتيجة تتماشى مع المنطق الاقتصادي. ومع ذلك، نرى بين أسطر التقرير علامات على تدخل خارجي مكثف، مع تفسير الضغوط التضخمية بارتفاع أسعار السلع الأساسية ونقص العرض وتأثيرات السندات الأميركية على عملات الأسواق الناشئة، وقوة الطلب المحلي، ونمو الإقراض المصرفي المحلي، والمرور من ضعف الليرة إلى التضخم وتوقعات ارتفاعه.

ومع ذلك، يتجاهل التقرير ذكر العديد من النقاط الأساسية، وهي ضعف مصداقية البنك المركزي، وصافي احتياطيات النقد الأجنبي التي تصل إلى سالب 48 مليار دولار، وتغيير قيادة البنك المركزي في 19 مارس، وانخفاض قيمة الليرة بنسبة 15 في المئة بعد ذلك.

ربما لم يركز أولئك الذين شاهدوا عرض قاوجي أوغلو للتقرير على الإنترنت على توقعات التضخم الأعلى، أو الافتقار إلى الواقعية، أو تعهداته المستمرة بالحفاظ على صرامة السياسة النقدية. هناك توقع عام بأنه لن يكون من السهل على تركيا أن تبقي التضخم أقل من 15 في المئة هذا العام بعد الأحداث السلبية الأخيرة.

ومع ذلك، لم يستطع بعض مشاهدي العرض التغاضي عن الصعوبة الواضحة التي واجهها قاوجي أوغلو في قراءة النص، وربما كان ذلك لأنه ليس متعودا على مصطلحات البنك المركزي وطرق عمله. ولاحظوا كيف أجاب على أسئلة الاقتصاديين والصحفيين بقراءة وثيقة معدة مُسبقا، كانت موضوعة أمامه. حيث لم يكن الرد نابعا عن معرفته الخاصة.

كما لوحظ تصوير المحافظ المستمر للسياسة النقدية المتشددة على أنها سياسة سعر فائدة "أعلى من التضخم الحالي والمتوقع".

عندما سُئل عن حذف تعهد سابق بتشديد الأسعار إذا لزم الأمر من وثيقة مصاحبة لقرار البنك في أبريل بالإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة، بدا من المثير للشك أن يحث قاوجي أوغلو الاقتصاديين "على عدم التركيز على المفاهيم التي تم حذفها من النص ولكن التركيز على وعده بسياسة نقدية صارمة".

يُظهر البنك المركزي انفصاله عن الواقع بالتظاهر بأن انخفاض سعر الليرة بنسبة 15 في المئة لم يحدث نتيجة لتغيير المحافظ.

كما يشير إصرار قاوجي أوغلو المستمر على أن السياسة النقدية المتشددة تعادل الإبقاء على أسعار الفائدة بهامش غير محدد فوق التضخم إلى أن تخفيضات الأسعار ستبدأ عاجلا وليس آجلا، وربما خلال فصل الصيف.

إذا كان البعض لا يزالون غير مقتنعين بأن الاقتصاد أصبح في طريق مسدود بعد أن أهدر الأشخاص غير المؤهلين 128 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي، فسيغيرون آراءهم قريبا عند رؤية خيارات السياسة النقدية القريبة، فمن المقرر أن تبدأ التخفيضات في أسعار الفائدة في يوليو أو أغسطس.

وسيبقى توقيت آثار الانخفاضات المقبلة في أسعار الفائدة غير المناسب لليرة، والتضخم، والديون الخارجية، وعلاوات المخاطر، وتدفقات رأس المال، والاقتصاد العام في الذاكرة لسنوات قادمة باعتباره اللحظة التي حددت مصير الحكومة التركية الحالية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/turkeys-neurotic-monetary-policy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.