مشهد من المأساة الإنسانية في حي "سَكو" بعد زلزال ألازيغ في تركيا

بعد رحلة استمرت لساعات طويلة، منذ تحركنا من إسطنبول، وصلت الحافلة، في النهاية، إلى مدينة ألازيغ. وما أن نزلتُ من الحافلة، حتى أسرعت الخُطى باتجاه الحافلات المتجهة صوب "السوق". وبينما أفتش في جيبي عن نقود "فكة"، قال لي سائق الحافلة "إن لم يكن لديك نقود، فلا عليك"، ولكني وجدت النقود في النهاية، ومددتُ يدي بها، متوجهاً إليه بالشكر.

بدا السوق، بزحامه وحركة المارة الكثيفة، على الشكل الذي اعتدنا عليه في السابق. لم يكن هناك ما يُذكِّر بالزلزال سوى وجود بعض الأفراد، الذين يرتدون زي إدارة الكوارث والطوارئ، بالإضافة إلى بعض السيارات التابعة لها. وما عدا ذلك، كان المواطنون يمارسون حياتهم اليومية بشكل أو بآخر. كان الناس يخرجون للتسوق في عطلة نهاية الأسبوع. كانت الثلوج تتساقط بين الحين والآخر، ولكن برودة الجو كانت السمة المُمَيزة لأغلب الأيام. كان الطقس شديد البرودة بالفعل، ومع هذا فقد عشتُ في جو مختلف للغاية وسط هذه الحشود، التي لفَّها الحزن والصمت المطبق هناك. يبدو أن الزلزال قد أصاب الجميع في هذا المكان بحالة من الفزع، وجعلهم يعيشون حالة نفسية سيئةً للغاية.

كانت أمي تنتظر وصولي بحماس وترقب بالغين. كانت المسافة بين حي هوازاد جراجي ويلديز باغلري قريبة؛ بحيث يمكن التنقل بينهما سيراً على الأقدام؛ ومن ثم فضلت المشي، على الرغم من برودة الطقس. رأيت في الطريق شاحنة إغاثة فارغة تابعة لإدارة الكوارث والطوارئ. وعلى مقربة منها، أبصرتُ أناساً يحتمون داخل الخيام؛ هربًا من برودة الطقس.

وقفت في النهاية أما باب منزلنا. دلفتُ إلى الداخل، واحتضنت أمي بقوة، وقبلتُ يدها. وبدورها سارعت أمي بإشعال الموقد لأجلي، وجلست تقص عليَّ بحماس ما حدث يوم وقوع الزلزال. لقد قصَّت عليَّ عدم تمكن الناس من دخول منازلهم لعدة أيام؛ بسبب خوفهم من الهزات الارتدادية، التي أعقبت وقوع الزلزال، واستمرت لعدة أيام تالية. قالت لي "لقد جاء الزلزال، مع تساقط الثلوج وبرودة الطقس؛ ليزيد من معاناة الفقراء يا بُني"، واستطردت في حديثها قائلة "الناس هنا بؤساء، مساكين يعانون الجوع والفقر. كان الجميع، سواء الذين ضربهم الزلزال أو حتى الذين لم يصيبهم الضرر، يتسابقون للحصول على المساعدات. أشكر الله أننا لم نُصب بسوء"، وأردفت، وقد غلبها البكاء "يبدو أن أباك لم يردنا أن نذهب إلى جواره يا بني".

تركت بعد ذلك حقيبتي في المنزل، وذهبت للتجول في "السوق"، ولكن قدماي ساقتاني إلى حي "سَكُو"، حيث قضيت فترة طفولتي.

لقد أُطلق اسم "سَكُو" على هذا الحي، نسبة إلى أحد الأرمن، الذين سكنوا هذا المكان قديماً. وعلى الرغم من استبدال السلطات هذا الاسم ﺒ "حي مصطفى باشا"، إلا أن السكان في هذه المنطقة لا يزالون يذكرونه فيما بينهم باسم "حي سَكُو". ويتبادل السكان المحليون هناك الأحاديث حول سكان هذا المكان الأصليين؛ فمنهم من يقول إن الأكراد كانوا يعيشون هنا منذ القدم، ومنهم من يقول الأرمن أو الزازا (مجموعة عرقية تتكلم اللغة الزازاكية، وتسكن شرق الأناضول، ويعتنق أغلبها الإسلام) أو العلويين أو السنة وهكذا.

كان "شارع جايرلي"، ببناياته، التي يتكون أغلبها من دور واحد مبني بالطوب اللبن، وسكانه الذين يتوزعون بين عائلات الزازا السنية من أبناء "بالو"، وعائلات تركية، وأخرى أرمنية، وعائلات من درسيم، يلخص نمط الحياة في الحي كله؛ بحيث يمكن الجزم بأن القاسم المشترك بين السكان هناك هو الفقر، حتى أننا كنا ننظر بغبطة إلى أي منزل مُشيد بـ "الخراسانة المسلحة"، ونقول إن ساكنيه من الأغنياء.

أَذكُر كيف قامت قوات الشرطة بمداهمة منزل والدتي عندما توجهت إلى هناك للاطمئنان عليها خلال فترة كانت السلطات تلاحقني. أتذكر كذلك كيف وقفت والدتي وجدتي والنساء الأخريات من الجيران، اللاتي استجبن، على الفور، لاستغاثتهما أمام باب المنزل؛ لمنع تلك القوات من الدخول، لا يمكنني نسيان ذلك... كان هم الشرطة الوحيد هو الوصول إليَّ، ولم يكن يعنيهم أن يهجموا على أمي أو جدتي، التي لا تجيد التركية، وفي المقابل ركضت جميع النساء في الحي بعد أن سمعن أمي، وهي تقول "لا يوجد أحد بالمنزل. ماذا تريدون من ابني؟ إنه ليس بالداخل"، وأخذن بدورهن يصرخن في وجه هذه القوات، على الرغم من علمهن جميعاً بأنني بالداخل، قائلات "جعفر ليس هنا. لقد خرج لتوه. ماذا تريدون من فجيرة هانم؟".

لم يعد هناك وجود لهذا الشارع، ولا لهؤلاء السكان الآن.

لقد تعرضت المباني "الجديدة"، التي بنيت بدلاً من تلك المنازل المبنية من الطوب اللبن للهدم بسبب الزلزال، ولم يسلم الناجون من الضرر كذلك. أما الحقول والوديان والحدائق والمساحات الواسعة، التي كنا نلعب بها الكرة قديماً، فلم تؤذها الكوارث الطبيعية، بقدر الأذى الذي ألحقه بها بنو البشر بها منذ وقت طويل.

ذهبنا مع والدتي في اليوم التالي من وصولي إلى ألازيغ لتقديم التعازي في ضحايا الزلزال في حي "يلديز باغلري" وحي "فوزي جَقمَق". فقدنا في الأيام الأولى من هذا العام ابن عمي، إثر تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة، ثم حلت كارثة الزلزال لتعمق من آلامهم.

ولا يفوتني أن أذكر هنا أيضاً أنني لم أشعر بوجود تقصير فيما يخص توزيع المساعدات على منكوبي الزلزال، أو على الأقل في مركز المدينة؛ حيث إنني لم أذهب إلى القرى لأتبين حقيقة الوضع هناك. وهذا بالطبع أمر جيد. ومع هذا، فلا يمكنني أن أترك الحديث في هذه النقطة، دون التحدث عن إحدى عمليات توزيع المساعدات، التي جرت أمام بيت الجمع "أماكن يستخدمها العلويون والطريقة البكتاشية في تركيا للتعبد، بدلاً من المساجد" في حي فوزي جَقمَق.   

توقفت إحدى الشاحنات الضخمة، التابعة لإدارة الكوارث والطوارئ، أمام بيت الجمع في الحي لتوزيع صناديق المساعدات، التي تحتوي على بطانية ووسادة وملحفة وملابس شتوية، على منكوبي الزلزال هناك. ولكن المشكلة هي أن السكان، الذين لم يضربهم الزلزال هناك يعانون أيضًا من الفقر المدقع؛ وبالتالي كانوا في أشد الحاجة للمساعدة كذلك. ولهذا السبب، أحاط السكان بالشاحنة إحاطة السوار بالمعصم، وبدأ الموظفون المختصون يفتحون الصناديق، ويلقون محتوياتها على رؤوس الموجودين. توقفت السيدة، التي حكت لي عن هذه الواقعة عن الحديث بغتة لتقول "لقد شعرتُ بغضب شديد لتصرفهم هذا"، وتابعت قائلةً "هل هذه هي الطريقة، التي تُوزَّع بها المساعدات على المواطنين؟!". قالت لي كذلك إنها توجهت إلى المسؤولين في بيت الجمع، وشكت إليهم، وقد بدا عليها الغضب، هذا السلوك من جانب الموظفين، فقالوا لها "لا علاقة لنا بهذا. هؤلاء الموظفون هم الذين يتولون تنظيم هذا الأمر".

قالوا لهؤلاء الموظفين "أيها السادة، وأيتها السيدات لا ترموا صناديق المساعدات على رؤوس الناس بهذا الشكل، لا تؤذوا كرامة المواطنين وكبرياءهم بهذا الشكل، من أعطاكم الحق لتفعلوا هذا؟!". من ناحية أخرى، علَّل بعض المواطنين، من سكان الحي، هذا التصرف بالقول "إنهم يفعلون هذا بنا لأننا علويون". لا أريد أن أصدق هذا؛ ومن ثم رُحت أبحث عن تعليل آخر من قبيل أن هذا أمر طبيعي من موظفين أرهقهم توزيع المساعدات طوال هذه الفترة. آمل أن يكون هذا التصور هو السبب الحقيقي وراء تصرفهم هذا.

لم أتمكن من الدخول إلى حي "سَكو" في اليوم الأول؛ لهذا لم أستطع منع نفسي من التوجه إلى هناك في اليوم التالي.

كان الجو شديد البرودة في اليوم التالي. حاول رجال الشرطة وغيرهم من الموظفين الموجودين أمام الحواجز والمتاريس الموضوعة في المكان إشعال بعض قطع الخشب، التي جمعوها من بين الأنقاض، بغرض التدفئة. ومن ناحيتهم، أعد ساكنو الخيام موقدًا بالداخل طمعا في التغلب على برودة الجو.

شعرتُ بألم نفسي كبير، وأنا أقف عاجزاً أمام هؤلاء. شعرتُ بالحزن، وأنا أتذكر سنوات طفولتي وشبابي والمشاعر الثورية الأولى، عندما كنت أعتقد "أن شرارة الثورة ستشتعل، وأن كل شيء سيتبدل إلى الأفضل".

عثرتُ على عائلة أرمنية، تربطني بها علاقة صداقة منذ أيام الطفولة، كانت قد استأجرت منزلاً في إحدى البنايات للعيش فيه، بدلاً من الانتقال للعيش في الخيام، بعد أن تعرض منزلهم لأضرار بالغة، وقلت لنفسي: لأذهب لزيارتهم قبل مغادرة المكان.

انتظرت في حديقة غير مأهولة حتى أتى صديقي سيلفا. قال لي، وهو يعانقني "لا بد أنك تشعر بالبرد هنا". قلتُ له "لا، لم يكن الجو بارداً جدًا"، فقال "ولكن لا بد أن هذه الدموع، التي أراها في عينيك، سببها برودة الجو"؛ فرددت بدوري قائلاً "أهذا هو السبب حقا؟" وأردفتُ "نعم، الجو بارد هنا للغاية يا سيلفا..".

•    الآراء الواردة في هذا المقال تُعبّر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/deprem/deprem-sonrasi-elazig-seko-mahallesinden-insanlik-halleri
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.