عمليات الجيش التركي حوّلت حياة المدنيين إلى جحيم

كلمتان قالتهما امرأة عربية وهي تحاول أن تعطيني ابنها البالغ من العمر أربعة أشهر.. "اتوسل إليك - خذي طفلي". كان الطفل يرتدي سترة ملطخة لونها أزرق فاتح مزخرفة ببطة صفراء تطل من بين ثنايا ملابسه. دموعها المحبوسة أثناء مقابلتنا باتت تتدفق الآن على وجهها كما لو أنها قد ربحت أخيراً معركة في سباق إرادات.

قابلتها هي وزوجها وأطفالهما الأربعة بعد أسبوع من فرارهم من قرية العريشة في شمال شرق سوريا. كان يوماً مشمساً في منتصف شهر نوفمبر. وقد حملت على ذراعيها الطفل البالغ من العمر أربعة أشهر وشقيقته التوأم. وكان هناك طفلان آخران يجلسان، كانت الأكبر سناً فتاة هادئة شقراء الشعر وخضراء العينين تبلغ من العمر أربع سنوات فقط.

كانت المرأة العربية عائشة شابة في أوائل العشرينات من عمرها وتملك بشرة جميلة وملامح رقيقة. تحدثنا عن الأوضاع في العريشة، وهي قرية صغيرة على بعد عشرة كيلومترات إلى الشمال من بلدة تل تمر تواجه تهديداً من تركيا. فقد بدأت أنقرة غزواً جديداً، هو الثالث خلال عامين، بعد أن أعطى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضوء الأخضر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السادس من أكتوبر خلال مكالمة هاتفية. وكما هو الحال مع المناطق الأخرى التي اجتاحها وكلاء الأتراك، كان الجيش الوطني السوري قد أجهز على المدنيين في العريشة بالقوة الوحشية واعتقلهم ونهب المنازل والمعدات الزراعية وفرض الحكم الإسلامي على القرية.

لقد عمل محمد زوجها طوال حياته في الحقول المحيطة بالعريشة. الآن، قالت "ليس لدينا أي شيء. هربنا فقط بملابسنا. أخذت العصابة (عادة يستخدم هذه اللفظ لوصف وكلاء الأتراك) كل شيء منا. أحرقوا المنزل. وأخذوا الأبقار. ليس لدي ما أطعمه لأولادي". وأعقب الغضب على وجهها تعبير عن اليأس. إذا تخلت عن أحد توائمها لصحفية أجنبية، تفترض أن رفاهيته ستكون مضمونة وربما يمكن لبقية العائلة أيضاً البقاء على قيد الحياة.

بدأت عملية أردوغان - التي أُطلق عليها اسم "نبع السلام" - في التاسع من أكتوبر، بعد ثلاثة أيام من المكالمة الهاتفية سيئة السمعة مع ترامب. وفي البداية، زعم أردوغان أنه يريد إنشاء "منطقة آمنة" بعمق 30 كيلومتراً على طول الحدود حيث كانت الحكومة التركية ترغب في صد قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد ووحدات حماية الشعب الكردية التابعة لها والتي يدعي أنها تشكل تهديداً على تركيا. وتعهد أردوغان بتوطين ثلاثة ملايين لاجئ سوري في المنطقة، وهي خطوة من شأنها أن تغير التركيبة السكانية للمنطقة التي يغلب على سكانها الأكراد في خطوة وُصفت بأنها عملية تطهير عرقي. حتى الآن لم يكن هناك أي استجابة دولية تُذكر لغزو أردوغان. ففي سري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض)، تم طرد الأكراد من ديارهم ومنعوا من العودة. وعلى الرغم من مزاعم "وقف إطلاق النار" الذي تفاوض عليه في بادئ الأمر نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، ثم الروس الذين يعملون مع النظام السوري، فإن الهجوم قد استمر. يتم إضرام النيران في منازل الأكراد بشكل روتيني في حين يتم نهب منازل العرب.

وتحاصر القوات التركية قرية العريشة لمدة تربو على شهر. حاولت قوات سوريا الديمقراطية، وهي نفس القوات التي فقدت 11 ألف روح في قتالها لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، صد الهجوم التركي. بقيت الأسرة في منزلها لمدة 26 يوماً. كانوا يأملون في أن ينتهي الهجوم قبل أن يصل إلى عتبة دارهم.

لكن الاستخدام المكثف لضربات الطائرات بدون طيار والقوة الجوية أعاق جهود قوات سوريا الديمقراطية لاستعادة المناطق المتنازع عليها بشدة. كان الخلل في القوة العسكرية بين قوات سوريا الديمقراطية وتركيا قضية خطيرة منذ بداية الغزو. لم يمنع أحد تركيا من استخدام المجال الجوي السوري. وقد ترك هذا قوات سوريا الديمقراطية بقدرة دفاعية محدودة. وحتى الآن، تواصل أنقرة الهجوم وحاولت الفوز بأكبر قدر ممكن من الأراضي خارج المنطقة التي يتم التفاوض عليها.

لقد فتح قرار ترامب سحب القوات الأميركية الباب أمام توازن جديد للقوة في شمال شرق سوريا. فقد سيطرت روسيا على عدد من قواعد العمليات السابقة للولايات المتحدة في حين دفعت الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا، وهي الهيئة الحاكمة في المنطقة، إلى التفاوض مع نظام بشار الأسد. حتى الآن، أنشأت موسكو 66 قاعدة أو نقطة مراقبة في جميع أنحاء البلاد. ولا يمكن حتى لتحرك وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لإعادة حوالي 1000 من أعضاء الحرس الوطني "لحماية النفط" أن يوقف هذه العملية الجديدة.

يزداد نفوذ روسيا في سوريا كل يوم. وفي الوقت نفسه، يستمر العدوان التركي بقصف يومي تقريباً على المناطق الرئيسة. منذ أسابيع، كانت هناك شائعات حول هجوم محتمل على جيب كابانا الكردي، في حين كانت قوات الجيش الوطني السوري تتجه صوب الجنوب بدعم من القوات الجوية لأنقرة. ونتيجة لذلك، لقي الآلاف حتفهم أو أصيبوا في حين فر مئات الآلاف من ديارهم.

وتوضح قصة عائلة محمد نمط الغزو التركي في شمال شرق سوريا. فقد تم تشريد ما يربو على 300 ألف شخص. ويعيش آلاف الأشخاص في مخيمات أو مدارس بعد أن تحولت إلى ملاجئ.

كانت المنطقة المحيطة بتل تمر تحت الحصار منذ نحو شهرين. وشعرت أسرة محمد بأنها محاصرة في حين انتزع وكلاء الأتراك السيطرة على العريشة.

قال محمد "جاء قطاع الطرق هؤلاء وقالوا إنني قيد الإقامة الجبرية. ما زلت لا أعرف السبب". أخذوا الحيوانات في الحديقة وأمرونا بالانتظار إلى حين فحص العائلات الأخرى في القرية. لاذ محمد وعائلته بالفرار على الفور.

وتابع محمد قائلاً "لقد اصطحبنا الأطفال وسرنا نحو خط المواجهة. كنا نعلم أن قوات سوريا الديمقراطية ستساعدنا ". وقد فعلت.

وقال وهو يشبه الجيش الوطني السورية بتنظيم داعش "الإرهاب هو الإرهاب بغض النظر عن مصدره ... هم نفس الشيء، لديهم نفس الأخلاق".

وقالت عائشة "ليس لدينا أي خيار آخر سوى الذهاب إلى المخيم".

ومنذ ذلك الحين وطلبها يلاحق أفكاري. لا يسعني أن أتوقف عن التفكير فيه. ثمة أمر بالغ العمق وشديد المأساوية يجب أن يكون بداخل امرأة كي تتخلى عن رضيعها. لقد شعرت بفجيعتها وأحسست بوجعها. وبعد أن تركت الدموع مسارات على وجهها.. احتضنتها وحاولت مواساتها وأنا أقول.. لا أستطيع.

لكنها توسلت مجدداً وقالت لي "خذي طفلي".

لقراءة الموضوع باللغة الانكليزية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/northeast-syria/despair-looms-over-kurds-northeast-syria
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.