كيف يساعد الغضب الغربي روسيا في استمالة تركيا؟

من المرجح أن يساهم التحرك الجديد من جانب المشرعين الأميركيين لفرض عقوبات على تركيا في دفع أنقرة بشكل أكبر تجاه موسكو، وهو ما يسلط الضوء مجددا على السياسات الذكية والانتهازية التي يتبناها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الشرق الأوسط.

ففي الأسبوع الماضي، وافقت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي على مشروع قانون لفرض عقوبات على تركيا بسب توغلها في شمال شرق سوريا - الذي يصفه بعض المراقبين بأنه محاولة للتطهير العرقي - وشرائها منظومة الدفاع الصاروخية الروسية إس-400 التي قال مسؤولو الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) إنها تشكل تهديدا أمنيا.

ورد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بالقول إن هذه العقوبات قد تدفع تركيا لطلب سحب القوات الأميركية من قاعدة إنجرليك الجوية، التي يُخزن بها نحو 50 صاروخا نوويا أميركيا.

هذا الخلاف الأخير يسلط الضوء على العلاقات المتنامية بين تركيا وروسيا، اللتين أبرمتا صفقة بخصوص منظومة إس-400 الدفاعية قيمتها 2.7 مليار دولار وبحثتا صفقات لشراء أنقرة المزيد من صواريخ إس-400 وطائرات سو-35 المقاتلة وعززتا التعاون في سوريا.

وقد عبر وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر الأسبوع الماضي عن مخاوفه من خروج تركيا من فلك الناتو وانجرافها نحو روسيا. وبعد بضعة أيام، اتفقت تركيا وروسيا مع إيران على العمل معا لتطهير محافظة إدلب السورية من المعارضين الجهاديين المتشددين وإرساء الأمن في المنطقة.

قال آرون شتاين من معهد أبحاث السياسة الخارجية في سلسلة من التغريدات على موقع تويتر ردا على الموافقة على مشروع قانون العقوبات: "مع دخول إس-400 حيز التشغيل في شهر أبريل من العام 2020، مثلما أوضحت تركيا، وفي ظل المناقشات الجارية بخصوص شراء سو-35 والمزيد من إس-400، تتجلى الشواهد على زيادة التعاون بين تركيا وروسيا".

وأضاف: "حان الوقت لنكون جادين هنا. الحكمة تقتضي التفكير فيما سيؤول إليه هذا الأمر".

ويؤكد ديميتار بيشيف، الباحث الزميل في المجلس الأطلسي، أن بوتين يستفيد بلا شك من تجدد التوترات.

وقال لموقع (أحوال تركية) عبر بث صوتي (بودكاست): "من المؤكد أن شراء منظومة إس-400 ووضعها في حيز التشغيل يبعث إشارة قوية جدا بأن تركيا تتبنى سياسة خارجية مستقلة، وهو ما يأتي على هوى الكرملين".

غير أن بيشيف يرى أيضا أن هناك حدا للتعاون بين روسيا وتركيا، إذ أن البلدين شريكان في بعض الأحيان وخصمان في أحيان أخرى. وأشار إلى أن القوات الروسية تعمل في سوريا وفي شبه جزيرة القرم وفي أرمينيا، وكذلك في البحر الأسود.

ويقول بيشيف: "تركيا محاطة بالوجود العسكري الروسي"، مضيفا أن البحرية التركية تتحمل فوق طاقتها في ظل التزاماتها في البحر الأسود وبحر إيجة وشرق البحر المتوسط، حيث تتصاعد التوترات مع اليونان وقبرص.

وتابع: "يتعين على تركيا التوفيق بين الكثير من الصراعات، وعلى الرغم من قدراتها البحرية، إلا أنها تقف موقف ضعف أمام روسيا... في مواجهة روسيا، يجب على تركيا أن تجد سبيلا لموازنة الأمر، أن تنخرط ولكن في نفس الوقت تملك خيارات أخرى. المواجهة ليست مطروحة بالتأكيد".

 

دخل الجانبان في مواجهات في سوريا بالفعل في العام 2015، حين أسقطت تركيا طائرة مقاتلة روسية قالت إنها دخلت المجال الجوي التركي. وسرعان ما أجبرت العقوبات الروسية أنقرة على السير على درب موسكو. فيقول بيشيف: "هذا هو الدرس الذي تعلمه (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان وصناع السياسات الخارجية في تركيا: لا تتحدى روسيا، وعليك أن تعمل معها".

كانت النتيجة هي علاقة زواج مصلحة، إذ يتعاون الجانبان في بيع الأسلحة وفي سوريا، لكنهما يدعمان أطرافا متنازعة في ليبيا على سبيل المثال. فروسيا تدعم اللواء خليفة حفتر، وأرسلت نحو 200 من المرتزقة للمحاربة مع قواته في هجومها على طرابلس.

أما تركيا فتدعم حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، وعبر أردوغان عن استعداده لإرسال قوات تركية وحث بوتين على سحب المقاتلين الروس.

كما تنشئ تركيا خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول (تاناب) لمواجهة الهيمنة الروسية الإقليمية في الطاقة. وقال بيشيف إنه لن يُدهش إذا وجدت روسيا سبيلا في ليبيا للانتقال من المواجهة مع تركيا إلى التعاون معها، مثلما فعل الجانبان في سوريا.

وتساءل بيشيف قائلا: "هل يوجد أي لاعب آخر يستطيع أن يكون صديقا لكل من إسرائيل والإيرانيين، للأكراد وتركيا في نفس الوقت؟... روسيا تبقي جميع الأبواب مفتوحة، ويمكنها تغيير سياستها جزئيا لأنها ليست جزءا من المنطقة... إنها بعيدة للغاية، وهذا ما يخدم مصلحتك، فيمكنك تغيير مسارك بسهولة شديدة".

إن غياب التحالفات القوية بصفة عامة يتيح لروسيا أن تكون جاهزة للتحالف مع أي شركاء محتملين حين يتسنى ذلك، مثل تركيا في ظل خلافها المستمر مع الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو. ومن المرجح أن تزداد هذه التوترات إذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات واستمرت تركيا في اتخاذ موقفها العدواني في شرق المتوسط.

 يقول بيشيف: "حتى إذا لم تنفصل تركيا عن الناتو، فإن شكل الخلاف العميق والأزمة المرحلية هو ما يخدم روسيا أكثر من أي شيء آخر.

"الاستفادة من أزمات الآخرين استراتيجية ذكية للغاية. فبدون تحريك إصبع واحد، يحقق الكرملين كل أنواع المكاسب السياسية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-russia/how-western-anger-helps-russia-woo-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.