كيف يجسّد أردوغان نموذج القيادة الاستبدادية في أزمة كورونا

أنقرة - كيف توصف استجابة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لأزمة كورونا؟ لماذا سارع أردوغان إلى تسييس الأزمة واعتبارها حرباً؟ إلى أي حدّ يجسّد أردوغان نموذج القيادة الاستبدادية في هذه الأزمة؟

أثار تعاطي أردوغان المتعالي مع تفشي فيروس كورونا في تركيا العديد من الأسئلة حول جدوى سياساته التي ركّزت بداية على الاقتصاد، ولم تولِ الاهتمام المطلوب بأرواح الضحايا والمصابين.

اعتبر أردوغان نفسه في حرب، وأنه بين نارين، هما التركيز على الإجراءات الاحترازية الطبية وإعلاق البلاد، وتعطيل حركة الاقتصاد، أو إبقاء الحركة الاقتصادية، وتجاهل دعوات الإغلاق الكلي، لتلافي الوقوع في أزمة اقتصادية أقسى من تلك التي تمرّ بها تركيا منذ أكثر من عامين.

وفي خضمّ الأزمة كرّس أردوغان وقته للتنكيل بمعارضيه ومنتقديه، وصفهم بالأوبئة والفيروسات، وحاول سحب البساط من تحتهم، وعدم تمكينهم من الإقدام على أيّ فعل من شأنه تعزيز شعبيتهم بين الأتراك، محاولاً بذلك احتكار النصر المفترَض في الأزمة لصالحه، وحارماً خصومه من أيّ مبادرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

بإيعاز من أردوغان، بدأت وزارة الداخلية التركية الأسبوع الماضي، تحقيقاً مع رئيسي بلديتي إسطنبول وأنقرة، أكرم إمام أوغلو، ومنصور يافاش، وهما من حزب الشعب الجمهوري المعارض، لأنّهما أعلنا عن حملة لجمع التبرعات من أجل مساعدة المحتاجين والفقراء في الأزمة، ما دفع أردوغان لتحجيمهما، والتضييق عليهما، واتّهامهما بإنشاء دولة داخل الدولة، أو تأسيس كيان موازٍ للدولة، ليحتكر وحده أي فعل أو مبادرة، ويعلن حملته لجمع التبرعات بدوره كردّ على حملة المعارضة.

يعمل أردوغان على نسب الفضل لنفسه في أيّ انتصار متوقّع، أو تحويل أيّ هزيمة إلى فوز، والاحتفاء به كأنّه حقق إنجازات مثيرة للإعجاب، بنوع من التضليل الإعلامي، واللجوء إلى سياسة إنكار الواقع، في حين يقوم بتحميل الآخرين مسؤولية أيّ تقصير، ويجعلهم أكباش فداء له حين الحاجة، كما حصل مع وزير داخليته سليمان صويلو قبل أسبوعين، حين قد استقالته بعد الإعلان عن منع التجول بشكل ارتجالي، ومن دون تمهيد مسبق، ما تسبّب بحالة فزع وفوضى بين الناس.

وفي هذا السياق قال سيمون تيسدال، وهو كاتب عمود في صحيفة الغارديان البريطانية، الأحد، إنه في جميع أنحاء العالم، يستغل القادة الاستبداديون الاستجابة للوباء أو يفاقمونها أو يسيئون المعاملة بشكل فاضح، مما يضع المصلحة الأنانية قبل المصلحة العامة. وذكر أنّ رد فعل بعض القادة الاستبداديين في العالم وصف بانعدام الإحساس بالمسؤولية تجاه شعوبهم.   

وأشار الكاتب إلى أنّ القادة الشعبويين الذين يديرون أنظمة استبدادية، ويرفضون الالتزام بالقيود الديمقراطية والقانونية، وينتهكون الحقوق المدنية وحقوق المرأة، ويقمعون الحريات الإعلامية، ويغضّون النظر عن الفساد، ويظنون أنهم يعرفون أكثر من غيرهم، يكون أداؤهم هو الأسوأ والأقل فاعلية في مواجهة الوباء.

زمن القادة الشعبويين
زمن القادة الشعبويين

خص تيسدال أيضًا أردوغان بالنقد، وقال إن رده الأولي على أزمة كورونا كان وضع الاقتصاد ومكتسباته السياسية قبل الأرواح. وذكر أن أردوغان متهم، مثل ترامب، بتسييس الأزمة، وضرب مثلاً على ذلك، أنه من خلال حظره جهود جمع الأموال من قبل مجالس المدن التي تسيطر عليها المعارضة في إسطنبول وإزمير وأنقرة، وتذكيره بما يقال من أنّ الأداء المثير للإعجاب لعمدة إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المنافس الرئاسي المحتمل لعام 2023، يقلقه أكثر من الوباء.

ولفت تيسدال إلى أنّ القادة الشعبويين من أمثال أردوغان ودونالد ترامب، استخدموا تعبيرات تدلّ على الحرب، واستعملوا لغة حربية، وخطابات عدوانية، وتجسّد لديهم الميل نحو استغلال الوباء لمصالحهم الشخصية، ودعايتهم الانتخابية، بالتزامن مع ضعف التعاطف مع ضحايا الفيروس، وذلك على الرغم من شعبيتهم المزعومة.

وقال تيسدال إن حظر التجول المفروض من قبل أردوغان وإجراءات احتواء الفيروس التاجي تسبب في حدوث حالة من الفزع والارتباك، وأنه "تخبط في فرصة تعزيز وحدة الهدف عندما استبعد الإفراج المبكر عن السجناء المعارضين السياسيين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان".

وفي قراءة مختلفة للمتغيرات المحتملة التي يمكن أن تنتجها الأزمة، ذكر الكاتب في الغارديان، أنه بينما قد يشعر بعض الناس باليأس، فقد يكون هناك عائد إيجابي للتقدميين إذا تم الاعتراف بأن المستبدين غير مؤهلين للتعامل مع مثل هذه الأزمات. وقال ربما سيبدأ الناس في جميع أنحاء العالم، الذين صدموا من كل الشعبويين والمتعصبين، في مقاومة وعكس الاتجاه الأخير نحو الاستبداد.

وبالعودة إلى ممارسات أردوغان في ظلّ الأزمة الراهنة، ومساعيه لاحتوائها، وزعم الانتصار عليها، يسود نوع من التعتيم على الأرقام الحقيقية لضحايا الفيروس، وذلك للإشارة إلى نجاح تركيا في محاصرة الوباء، والتخفيف من حدّته وآثاره، بحسب ما يلفت معارضون.

وبات من الواضح أنّ أزمة كورونا كشفت هشاشة نظام أردوغان في مواجهة الأزمات التي تمّ توريط البلاد بها منذ أعوام، وبخاصة الأزمة السورية، والحرب في ليبيا، والتدخل في عدد من الدول كالعراق واليمن، ناهيك عن الفشل في إدارة الأزمة الاقتصادية الخانقة، وفشل سياسات الترقيع في إنقاذ الاقتصاد المأزوم، ما يضع مصيره على المحكّ، ويقدّم أولوية لخصومه ومنافسيه الذين يعلنون عن خططهم واستراتيجياتهم لتلافي مزيد من الخسائر، وإنقاذ ما أمكن، وتصحيح مسار السياسة التركية، داخلياً وخارجياً.

يشير محللون إلى أنّ الأيام القادمة تحمل مخاض تحوّل وتغيير، وهذا ما يشكّل مثار ذعر لأردوغان، ويدفعه للغرق في مزيد من الأخطاء في محاولة حماية نظامه الذي يبدو مزعزعاً وغير متماسك في هذه الأزمة..