كيف تم تدمير الدولة التركية على يد أردوغان؟

يتمسك المواطنون والسياسيون، وكل من يفكر في إيجاد حل للدولة التركية المدمرة بالأمل في أن يزول هذا الدمار أيضًا يومًا ما.

ربط الناس آمالهم بالانتخابات وبالتالي أحزاب المعارضة الحالية. وبطبيعة الحال، لا تأتي الاحتجاجات أو التمرد، سواء عنيف أو غير ذلك، من بين الخيارات لأن الناس ليس لديهم مثل هذا الميل أو القوة. إن احتكار القوة المسلحة يجعل مثل هذا الاحتمال غير وارد تمامًا على أي حال.

لا تزال نتيجة احتجاجات غيزي عام 2013 حية في الذاكرة واستبداد النظام من خلال محاولاته للقضاء على أي احتجاجات شعبية جماهيرية ضد الحكومة.

وإذا افترضنا أكثر الاحتمالات وردية؛ نجدأن تركيا تجري انتخابات بطريقة ما، ويخسر النظام ورجب طيب أردوغان منصبه كرئيس، ويسلمون السلطة دون عوائق. بعد ذلك، ستكون العملية سهلة بالنسبة للأحزاب وللأشخاص الذين يتوقعون التغيير، ويحلمون بالعودة إلى الطبيعة بضغطة زر.

ومع ذلك، حتى في هذا السيناريو حيث سيتم نقل السلطة دون إحداث أي ضجة، فمن غير المرجح أن تعود الدولة إلى وضعها الطبيعي بهذه السهولة.  فالدمار الذي لحق بمؤسسات الدولة عميق وخطير. علاوة على ذلك، فإن حجم النقلة النوعية في البلاد يجعل من المستحيل تقريبًا العودة إلى الوضع الطبيعي القديم. ويجب ألا ننسى كذلك أن عقلية الدولة قد تغيرت، بحيث اختلفت الكوادر، ولا يرون العالم بالطريقة نفسها.

تبتعد تركيا الآن - بطريقة مخططة ومبرمجة والأهم من ذلك، طوعية - عن الغرب.

أولئك الذين يعتقدون أن تركيا يمكن أن تتعافى بمجرد رحيل النظام لا يدركون عمومًا مدى الدمار المؤسسي الذي لحق بالبلاد. الأحزاب السياسية لم تحسب ميزان الانهيار، ولم تقيم الضرر.

يقوم محامي حقوق الإنسان التركي ونائب حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي، سيزكين تانيكولو، بتجميع تقرير كل عام عن انتهاكات الحقوق وانهيار الأنظمة القانونية والقضائية. تحتفظ جمعية الصحة والسلامة للعاملين في المبادرة المدنية بسجلات الوفيات السنوية في مكان العمل. يشارك آخرون بجهود مختلفة، ولكن لا توجد جهود مكثفة وشاملة للاحتفاظ بإحصاء منتظم للأضرار المؤسسية، ليس بين الأحزاب السياسية ولا بين المجتمع المدني.

وفي مقال نُشر عام 2014 بعنوان "انهيار الدولة"، قلت "تتجلى تقاليد الدولة القوية كضمان للبلد، وهو ضمان الملكية. الركائز الأساسية التي تضمنها الدولة هي المحاكم، والجيش، والشؤون الخارجية، والأوساط الأكاديمية، والخزينة، والخدمات المدنية. واليوم، نمر بعملية تشويه سريعة لمصداقية هذه المؤسسات، التي تم إفراغ ذاكرتها المؤسسية. يتم إلغاء هذه المؤسسات من قبل الحكومة، بدلاً من تحويلها وإضفاء الطابع الديمقراطي عليها بما يتماشى مع توجهات العالم".

وفي نوفمبر من العام نفسه، بدأت الكتابة عن ضرورة الاحتفاظ بسجل إحصائي. كتبت في مقال بعنوان "ديبريز آند إتس إنفنتوري" "الضرر الكبير الذي لحق بكل خبرة وكل مهنة وكل حق وكل مجال للحرية يجب أن يسجله خبراء في الموضوع. يمكن للخبراء فقط الاحتفاظ بسجل منتظم للوائح التي تم تسريبها بين الحزم التشريعية، والسوابق المنصوص عليها في عدم تنفيذ أوامر المحكمة، والقرارات والممارسات التعسفية من قبل الفرعين التشريعي والقضائي الخاضعين للسيطرة الكاملة للحكومة، عندما يتم التشكيك في المعلومات والأخبار علانية. سيتطلب ذلك من الأحزاب السياسية الاحتفاظ بسجل إحصائي لمدى الأضرار من خلال تكوين حكومة الظل. وعندما يحين الوقت، ستتولى الحكومة التي ستخلف حزب العدالة والتنمية الحاكم السيطرة على هذا الخراب. من الضروري فهم وشرح هذه الأضرار الآن".

وبالطبع، لم يتم إجراء مثل هذه الدراسة. لم يعد لدي أي توقعات من الأحزاب السياسية، لقد أذهلتهم ردود أفعال النظام. إنهم يواسون أنفسهم، والآخرين، من خلال إجراء بعض الحسابات من أجل الوصول إلى السلطة للحفاظ على بقائهم ولو ليوم آخر. لكن المجتمع، على الرغم من تضرره بشدة، لا يزال بإمكانه البدء في تحديد الخسائر في إطار الخبرة ومحاولة إنشاء توازن شامل للأضرار.

من الضروري حصر كل شيء حتى تبدأ الإصلاحات في اليوم الأول عندما يحين الوقت. لأن فترة ما بعد النظام لن تبدأ بحفل تسليم سلطة بسيط كما هو الحال في الدول الديمقراطية.

تضررت المؤسسات بشدة. تم فصل الكوادر من العمل أو إيقافهم عن العمل وتعرض بعضهم للإهانة وهربوا إلى الخارج وهكذا دُمرت الذاكرة الجماعية للمؤسسات.

أصبحت المؤسسات غير صالحة للعمل، وانهارت البنية التحتية بأكملها. ولم يبق سوى مسؤولين عاديين وعديمي الضمير. ليس لديهم أي واجب آخر سوى اتباع تعليمات الحكومة الحقيقية في القصر الرئاسي.

أمثلة على ذلك موجودة ليراها الجميع، مثل وزارة الخارجية التي أصبحت مزحة في الأوساط الدبلوماسية. لم تتبقى أي ممارسة جيدة، ولم يعد هناك بيان بدون أخطاء إملائية بعد الآن. تبدأ كل جملة أخرى بعبارة "ما يسمى فلان" وتنتهي بعبارة "لاغية وباطلة". لا أحد يأخذ هذا بجدية. أصبحت الوزارة  عرضة للتدخلات العسكرية.

لم يعد هناك محافظون من غير أعضاء حزب العدالة والتنمية. تستند التعيينات فقط على مدى ولاء الأشخاص للرئيس. تنقلب المؤسسات الاقتصادية رأساً على عقب، والبنك المركزي يحكمه تعليمات القصر. كل الأموال تضيع وفقاً لأوامر وخدمة النظام. أصبحت القوات المسلحة التركية جيش النظام وليس جيش الدولة. يظهر عمداء الجامعات ولاءهم للقصر حيث أن كل مستوى من نظام التعليم ينهار. ومع تأميم التعليم وإدخال الدين فيه، سرعان ما أصبحت المناهج الدراسية رتيبة وعفا عليها الزمن. تم إلغاء حكم القانون، ويتشكل النظام القضائي على يد النظام ويقوم بتعيين كل فرد فيه من أعلى إلى أسفل.

هل يمكن التخلص من هذه الأضرار والدمار بسهولة؟

ما تحتاجه تركيا هو "اجتثاث النازية" - وهو ما فعلته ألمانيا لتخليص نفسها من النازيين بعد عام 1945. تم تنفيذ البرنامج من قبل أربع دول احتلت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا سمح لألمانيا بأن تصبح الدولة التي هي عليها اليوم.

لا توجد مثل هذه الإرادة لإجراء عملية تطهير مماثلة في تركيا، ولكن لنأخذها في الاعتبار على أي حال.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/taking-account-damages-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.