كيف سيكون شكل العالم الجديد بعد كورونا

لندن – هل كان العالم يستمتع بالهدوء قبل تفشّي وباء كورونا؟ ألم تزدهر الشعبوية في تركيا والولايات المتّحدة وأماكن أخرى من العالم؟ كيف سيكون شكل العالم الجديد بعد كورونا؟ هل يتصاعد الإحساس بالقلق خشية دخول العالم في مستقبل فوضوي؟

أسئلة كثيرة تثار في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ العالم الحديث، ولاسيّما أنّ أزمة كورونا تؤرّخ لحقبة جديدة تبدو ملامحها التي لم تتبلور بعد بالصيغة المتوقعة مختلفة عن الحقب السابقة..

فقد تعطل حوالي 20 مليون شخص عن العمل في الولايات المتحدة والصين، وانهيار أسواق النفط، وإغلاق قطاعات بأكملها.. تلك أمور كان يبدو من المستحيل التفكير في احتمال حدوثها، ولكنها أصبحت الآن واقعا ملموسا.

كان يبدو أن حدوث كارثة فادحة مثل هذه أمر قد عفا عليه الزمن، ولكن ها نحن ذا في مواجهة واقع مفاده أن فيروسا حجمه أقل 400 مرة من قطر شعرة في رأس إنسان، فضح بقسوة ولامبالاة جوانب الضعف في الاقتصاد العالمي. إن هذه الكارثة تمثل فارقا بين العالم الذي نعرفه وآخر قادم.

والسؤال الذي طرحه إدوارد روبنسون، أحد كبار كتاب وكالة بلومبيرغ للأنباء في تحليله الذي نشرته بلومبيرغ هو: كيف سيكون شكل هذا العالم الجديد؟

في البداية، فإنه في ما يتعلق بالآمال الأولية بحدوث انخفاض حاد في الاقتصاد، يليه انتعاش سريع ومستدام بمجرد القضاء على فيروس كورونا المستجد، من المرجح أننا سنشهد فترة ركود طويلة.

فقد قال الرئيس السابق لمجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي)، بن برنانكي، والذي قاد جهود استجابة المجلس في مواجهة الأزمة المالية التي حدثت في 2009-2008، إن لدى الاقتصاد الأميركي فرصة ضئيلة في الانتعاش لحين يتم القضاء على الفيروس، وحتى يشعر الناس بما يكفي من أمان لاستئناف حياتهم.

 وقال بن برنانكي في بث مباشر قدمته "مؤسسة بروكينغز" في نيسان الماضي: "إذا ما تحلينا بالصبر وقمنا بما يجب علينا فعله، سنخرج على الجانب الآخر وكل شيء على ما يرام."

وقال مايكل مانديل، كبير خبراء الاقتصاد في معهد "بروجريسيف بوليسي" بواشنطن: "ستنتشر على نطاق واسع فوائد النمو التي تعتمد على التكنولوجيا، ولكن سيتخلف البعض عن الرِكب، وستصبح الحاجة لوجود شبكة أمان اجتماعي أكثر أهمية."

وأضاف أن التدفق الهائل للأموال سيسرع وتيرة اتجاه الصناعات للاستثمار في التكنولوجيا والأتمتة (التشغيل الذاتي) من أجل تعزيز الانتاجية.

كما سيجرى تحفيز المصنعين من أجل جلب عمليات الإنتاج إلى أميركا، بعد فترة طويلة كانت خلالها هذه العمليات تتم في الصين، وغيرها من المواقع التي تحظى بعمالة رخيصة، ويطلق مانديل على هذه الخطوة المتوقعة "التوطين".

ويقول ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، إن أحد مظاهر التأثير جراء الأزمة الحالية هو ما وصفه بأنه "تاريخ متسارع الوتيرة"، حيث تحدث خلال أسابيع تطورات تستغرق سنوات طويلة في الظروف الطبيعية.

ولكن العديد من هذه الاتجاهات سيحدث على حساب قطاعات واسعة من المجتمع، وهي غير مؤهلة للمشاركة في سوق للعمل أكثر تعقيدا، حيث تعتمد بشكل متزايد على البرمجيات والأتمتة، حتى في أوجه العمل اليدوي التي يقوم بها ما يطلق عليهم أصحاب الياقات الزرقاء (العمال).

وأوضح مانديل: "ستكون هذه فترة قاسية، ومؤلمة ومأساوية، ولكني أرى أيضا فرصة لازدهار الاستثمار الرأسمالي، والرقمنة وريادة الأعمال."

من المرجح أننا سنشهد فترة ركود طويلة
من المرجح أننا سنشهد فترة ركود طويلة

وستكون هذه إحدى الديناميكيات (القوى المحركة) التي ستتطور على نحو ما، حيث سيتطلع المستثمرون والشركات إلى الاستقرار والنمو. أما الخوف، فيكمن في حقيقة أنه لن يكون من الممكن العودة إلى الأوضاع الطبيعية السابقة، حيث سيكون وقت طويل قد انقضى، وستكون خسائر ضخمة قد وقعت، ولن تعود حقبة ما قبل تفشي الوباء.

ولكن العالم لم يكن يستمتع بالهدوء قبل تفشي الوباء: فهناك الولايات المتحدة بشعبويتها الوطنية تحت حكم ترامب، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، كما قلبت الهند وتركيا ودول أخرى النظام العالمي الذي انطلق في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتصاعد لبعض الوقت الإحساس بالقلق خشية دخول العالم في مستقبل فوضوي.

كما حفزت قضيتا التغير المناخي وانعدام المساواة الاقتصادية الطاقات السياسية للشباب، وتغيير نقاط التركيز في جداول أعمال المستثمرين وأصحاب الشركات. وكان الهواء معبّأ برياح التغيير.

ويرى المؤرخ فالتر شيديل أن الأوبئة تتمتع بقدرة على فرض عمليات إعادة توزيع الثروات ويقول إن الأمراض، بالإضافة إلى الحروب والثورات وانهيار الدول، تمثل واحدا من "الفرسان الأربعة" الذين سحقوا عدم المساواة عبر التاريخ.

ويعتقد شيديل، أستاذ التاريخ والدراسات الكلاسيكية بجامعة ستانفورد، أنه رغم فظاعة كوفيد-19، فلن يكون كافيا لإحداث عملية إعادة ترتيب أساسية لأولوياتنا الاقتصادية، ويضيف أن الافتقار إلى المساواة سيزداد سوءا، في ظل فقدان العمال وظائفهم في الولايات المتحدة، وكذلك فرص الحصول على تأمين صحي بسعر معقول.

وعلى الرغم من أن الحكومات قد تتمكن من الحيلولة دون حدوث ركود طويل الأمد، سينتهي الحال بهذه الجهود في نهاية المطاف إلى تعزيز الوضع الراهن، كما تم في أعقاب الأزمة المالية في .2008

وتقول خبيرة الاقتصاد البريطانية فايزة شاهين إن الوقت قد تأخر للغاية بالنسبة لتحسين سبل معيشة العمال، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في الخطوط الأمامية لمواجهة الوباء.

وشاهين، ناشطة تابعة لحزب العمال البريطاني وخسرت بفارق ضئيل في الانتخابات البرلمانية التي جرت في البلاد في شهر ديسمبر الماضي.

وتخشى شاهين الآن أن تمر الأزمة وتخلف وراءها مشكلات دون حلول، بعدما جرى تجاهلها طويلا، مثل الرواتب الضعيفة للقائمين على رعاية المسنين في دور الرعاية الاجتماعية. ففي بريطانيا، كما حدث في بلاد أخرى كثيرة، أصابت عدوى فيروس كورونا هذه الدور بقوة، ونجم عن ذلك 8312 حالة وفاة في انجلترا وويلز حتى الأول من مايو الجاري.

وترى شاهين، وهي مديرة مركز الدراسات العمالية والاجتماعية في لندن، إن الفشل في دعم العاملين في مجال الرعاية الاجتماعية هو أحد أوجه الإرث الذي خلفته سياسات التقشف والخصخصة التي تبنتها الحكومات المتعاقبة لحزب المحافظين خلال السنوات العشر التي تلت أزمة .2008

ويرى شيديل أن تعطل سلاسل التوريد في الصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، سيكون له عواقب بعيدة المدى، فعلى مدار فترة طويلة امتلأت أرفف المتاجر الكبرى في الولايات المتحدة بالبضائع الصينية، والأمر العجيب هو أن أسعار هذه البضائع ظلت ثابتة عاما تلو آخر، حتى في الوقت الذي تضاعف فيه متوسط الرواتب في الصين بأربعة أمثال.

وأوضح شيديل إنه حتى في حال لم يتمكن النزاع التجاري للرئيس الأميركي في كسر هذه الدائرة، فسيفعل تفشي وباء كورونا ذلك بكل تأكيد، وهو ما يعني أن أسعار المنتجات الصينية قد ترتفع في الوقت الذي يغرق فيه مجلس الاحتياط الفيدرالي الاقتصاد الأميركي بالأموال النقدية، ويتحول فيه الأميركيون إلى عقلية الادخار. وقد تعود معدلات التضخم للارتفاع بقوة.