حركة غولن الممزقة تواجه أزمة وجودية

فقد رجل الدين التركي فتح الله غولن سيطرته على شبكته الإسلامية العالمية منذ سنوات، مما أدى إلى عثرات كبرى تركت الحركة في أزمة وجودية في حين تبنى مرشدها نهج عدم التدخل من مقر إقامته البعيد في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة.

عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا في عام 2002، كان زعيمه رجب طيب أردوغان متحالفاً مع غولن وحركته التي كانت قادرة بعد ذلك على تعيين الآلاف من أعضائها في مناصب مؤثرة في الشرطة والقضاء والجيش والخدمة المدنية.

تحالف حزب العدالة والتنمية وأعضاء حركة غولن لإخضاع الجيش التركي في محاكمتين مطولتين عن تدبير مؤامرة انقلاب كانتا محل شك واسع النطاق وهما "إرغينكون" و"سليدج هامر"، مما زج بمئات ضباط الجيش العلمانيين في السجن، إلى جانب عدد من الصحفيين البارزين.

شهدت الجماعتان خلافاً بات علنياً في أواخر عام 2013 وبلغ ذروته بالانقلاب الفاشل في يوليو 2016، والذي ألقى أردوغان، الرئيس الحالي، باللوم فيه على غولن وأتباعه. وتم إلقاء القبض على حفنة من أنصار غولن المدنيين البارزين ليلة محاولة الانقلاب في قاعدة أكينجي الجوية، حيث بدأ الانقلاب. ونفى غولن مراراً أي تورط في محاولة الانقلاب وقال إن أي أعضاء تورطوا في محاولة الانقلاب قد خانوا أفكار الحركة.

وقال إسماعيل سيزغين مدير مركز دراسات حركة خدمة ومقره لندن لموقع (أحوال تركية) في بث صوتي (بودكاست) "فقد غولن السيطرة بالفعل، وأعتقد جزئياً أن هذا هو السبب في أنه يحاول تغيير الأشياء الآن، لأنه رأى ما قد يحدث".

وقال إن الحركة نمت بشكل كبير وانقطع تواصلها في داخل تركيا.

وأردف قائلاً "لم يسأل الناس بعضهم البعض، من حيث حسن نيتهم، وهذا يخلق الكثير من الثغرات والمناطق الرمادية التي يمكن أن يحدث فيها إساءة ... ثمة مسؤولية كبرى على الحركة تتمثل في إعداد معايير معينة الآن بعد هذه الأزمة للتأكد من أن مناطق الإساءة المحتملة لم تعد موجودة بعد الآن".

وقد وضعت الحكومة التركية الحركة على قائمة الجماعات الإرهابية وقد طردت 150 ألفاً من المشتبه في أنهم أعضاء في حركة غولن من وظائفهم وسجنت 50 ألفاً. وسيطرت أنقرة على المئات من مدارس غولن في الخارج وضغطت على الحكومات الأجنبية للقبض على ما يربو على 80 من المشتبه في كونهم من أنصار غولن وإعادتهم إلى تركيا، كما ذكرت تقارير أنها عذبت مئات من دبلوماسييها الذين يُعتقد أنهم مرتبطون بغولن.

إحدى القضايا التي تصب في صالح الحكومة وهي تواصل حملتها القمعية في الداخل والخارج هي أن حركة غولن ليس لديها أعضاء بصفة رسمية. يدور الانتماء إلى الحركة بشكل أساسي حول المعتقدات والتجمع مما يترك إمكانية عضوية الحركة مفتوحة للتأويل.

وقد تم تسليط الضوء على هذا الواقع هذا الأسبوع عندما وصف زعيم المعارضة الرئيسية كمال كليجدار أوغلو أردوغان بأنه أكبر شخصية في حركة غولن. ورداً على ذلك، وصف الرئيس حزب كليجدار أوغلو بأنه الجناح السياسي لحركة غولن.

وقال سيزغين "من الصعب جداً إثبات ذلك لأنه لا توجد عضوية رسمية"، ولم يذكر ما إذا كان عضواً أم لا، وشبهه الأمر بأن تكون اشتراكياً. وقال "إنه الالتزام بفلسفة معينة ... الأمر يتعلق بمن تعرفه".

يعج ماضي تركيا بحملات قمع استهدفت الجماعات الدينية، ويعود ذلك إلى أيام مؤسس البلاد، مصطفى كمال أتاتورك، الذي حظر العديد من الجماعات الدينية، في الوقت الذي أسس فيه جمهورية زعم أنها علمانية. لكن الهجوم المستمر على حركة غولن، التي تعرضت للاضطهاد أيضاً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ربما يتجاوز كل هذه الحملات.

لقد تبخرت الحركة داخل تركيا، في حين باتت عملياتها خارج تركيا سرية في الغالب لتتجنب لفت انتباه السلطات التركية. ويقول المحللون إن الحركة تواجه الفناء إذا فشلت في تحمل المسؤولية والتكيف مع الوضع.

قد يوافق زعيمها على ذلك. فبعد بضعة أشهر من التفكير في مرحلة ما بعد الانقلاب، بدأ غولن في كتابة سلسلة من المقالات - ظهر منها 25 حتى الآن - حول ثقافة المحاسبة الذاتية في الإسلام. لقد اعترف مراراً وتكراراً، وفقاً لسيزغين، أنه هو والحركة قد فشلا في النظر إلى أفعالهما بشكل نقدي.

وقال سيزغين "إنه يقول (ليس لدينا عُشر هذا النقد الذاتي، وإلا فإننا سنرى مدى السوء الذي أصبحنا عليه ونتوب ونغير طرقنا)، قال هذا عدة مرات".

وفي إحدى المقالات، أشار غولن إلى أن روح الحركة قد تسممت، وذكر كبار القادة بالاسم. وقال "أوضح أنه يتحدث عن الحركة، أو أشخاص من الحركة، تأثروا مما دفعهم للذهاب إلى العالم ونسيان مُثُلهم".

وقال سيزغين إن زعيم الحركة كان قد ناقش في الآونة الأخيرة ما إذا كان ينبغي أن يكون صريحاً، لإعطاء الناس الأمل، أو أن يلتزم الصمت حتى تهدأ الأمور. وفي الحالتين، على الحركة اتخاذ بعض القرارات الكبرى، إذ من غير المرجح أن يبقى طويلاً رجل لا يتحرك ويتم قريباً عامه التاسع والسبعين.

ورأى سيزغين ثلاثة ممثلين يخططون لمستقبل ما بعد غولن. الأول هو غولن نفسه، الذي قال سيزغين إنه خلال نصف القرن الماضي قد تحول ببطء من شخص لا يدير كل كبيرة وصغيرة في الحركة إلى شخص لا يدير الحركة على الإطلاق تقريباً. أحد الأمثلة على ذلك هو أنه تجنب العديد من الأدوات التي ربما ساعدت في إدارة هذه الأزمة، مثل تسمية متحدث للتعامل مع طلبات وسائل الإعلام.

وقال سيزغين "لحل هذه الأزمة سريعاً، كان بإمكانه استخدام بعض الأدوات المتاحة لديه ... أعتقد أنه يريد أن يعتاد الناس على ذلك"، مضيفاً أن أمل غولن هو أنه بعد موته يتم تمكين الأعضاء بما يكفي لاتخاذ قراراتهم الخاصة وبناء نظام قوي.

الممثل الثاني هو القيادة العليا للحركة، التي كانت تتنافس على السلطة وتحديد المواقع على مدى سنوات. وقال سيزغين إنهم على الأرجح سيطالبون بتشكيل تحالف من كبار القادة بعد وفاة غولن.

الممثل الثالث هو تركيا، التي سعت أيضاً، حتى لو عملت على تدمير الحركة، إلى الاستيلاء على قيادتها. ويعتقد سيزغين أن أردوغان يعتزم استخدام البنية التحتية المحلية والدولية المتبقية للحركة وتأثيرها من أجل أهدافه الخاصة.

وقال "إن الدولة تضطهد بعض أعضاء الحركة وتسمح للآخرين بالحصول على مناصب أكبر في العضوية"، في إشارة إلى زعيم الانقلاب المفترض عادل أوكسوز، الذي يعتقد البعض أنه كان يعمل لصالح المخابرات التركية. وأضاف "لديهم خطة لأي نظام سيتولى شؤون الحركة بعد غولن".

قد يفسر هذا السبب في أن بعض الشركات الصديقة لحزب العدالة والتنمية في أفريقيا قد بدأت في تجديد العلاقات وإعادة تأسيس الشراكات مع الشركات التابعة لغولن، كما ذكر بارين كايا أوغلو، الأستاذ المساعد في الجامعة الأميركية في العراق، الشهر الماضي.

وقد يفسر ذلك أيضاً السبب وراء عدم استخدام غولن هذه الأيام طريقة الاتصال التقليدية للحركة المتمثلة في عقد اجتماعات التشاور مع كبار القادة. بدلاً من ذلك، ينشر كل شيء علناً، عبر الإنترنت. وقال سيزغين "إنه لا يثق في الآلية كما كان من قبل". وقال "يعتقد أنه كان هناك بعض التسلل من قبل منظمة الاستخبارات الوطنية التركية".

قامت حركة غولن إلى حد كبير على الثقة، بين الأعضاء، وبين الأعضاء وقادتهم، وبين القادة وغولن. الآن، وبسبب الفساد والمخالفات ومحاولة الانقلاب والقمع المستمر، تبددت تلك الثقة. لم يعد بإمكان قائد الحركة أن يثق في نوابه لنشر المعلومات.

وقال سيزغين "ثمة أزمة ثقة كبيرة سوف تؤدي إلى تحول الحركة، أو القضاء عليها".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/gulen-movement/broken-gulen-movement-faces-existential-crisis
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.