هل يستفيد الاقتصاد التركي من تداعيات انهيار أسعار النفط عالمياً

أنقرة – إلى أيّ حد يمكن للاقتصاد التركي الذي يئن تحت ضغط أزمة تعصف به منذ أكثر من عامين من انهيار أسعار النفط؟ هل تستغل تركيا أسعار النفط الرخيصة لزيادة استيرادها وتخفيف الضغوط التضخمية عن كاهل اقتصادها؟

يأمل الأتراك أن ينعش انخفاض سعر النفط اقتصادهم المتعثر، ويضخ حياة فيه، ولاسيما في ظل الأزمة الناجمة عن وباء كورونا التي تزيد بدورها الأعباء عليه. 

وربما يتضح أن انهيار سعر النفط الذي دفع أسعار الخام الأميركي إلى ما دون الصفر للمرة الأولى في التاريخ هو بارقة الأمل للاقتصاد العالمي إذ قد يمثل نقطة الانطلاق لتحقيق الانتعاش عندما تحين نهاية توقف النشاط الاقتصادي بفعل فيروس كورونا.

فالنفط الرخيص يخفض تكاليف النقل والتصنيع ويتيح سيولة أكبر للمستهلكين بما يزيد إنفاقهم أي أنه يؤدي إلى تحسين الأوضاع المالية في الأساس. لكن ربما يكون له أثر مدمر من خلال الإضرار بأسواق الأسهم وميزانيات الدول المنتجة وإشاعة مخاطر الانكماش.

فأي الأمرين سيحدث هذه المرة؟

أوضح مؤشر للسيولة تصدره شركة كروس بوردر كابيتال الاستشارية أن انخفاض النفط بالإضافة إلى التدابير التحفيزية من مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي وغيره من البنوك المركزية ييسر بشدة الأوضاع المالية.

ويقدر مايكل هاول العضو المنتدب لشركة كروس بوردر كابيتال أن الإجراءات التحفيزية التي اتخذها مجلس الاحتياطي الاتحادي أضافت عشر نقاط للمؤشر الشهر الماضي.

غير أنه قال إن أثر النفط كان أكبر، فكل انخفاض نسبته عشرة في المئة في أسعار التعاملات الآجلة رفع المؤشر بما بين ثلاث وأربع نقاط أي أن الانخفاض البالغ 60-70 في المئة هذا العام يعادل مثلي ما حققه مجلس الاحتياطي الاتحادي في مارس آذار.

لكن هل من الممكن أن تستفيد الأسواق والاقتصاد في ضوء أن العامل المحرك لانخفاض الأسعار كان انهيارا غير مسبوق للطلب إذ يتوقع أن ينخفض هذا العام بما يقارب 30 مليون برميل يوميا؟

الإجابة نعم ولا في آن واحد.

انهيار النفط يعقد المساعي الرامية لدرء الانكماش العالمي
انهيار النفط يعقد المساعي الرامية لدرء الانكماش العالمي

في الجانب السلبي ستؤدي تحركات أسعار النفط إلى تقييد الأوضاع المالية من خلال انخفاض الأسهم وارتفاع عوائد سندات الشركات وتراجع الإنفاق الاستثماري لقطاع الطاقة. وربما يكون البنزين رخيصا لكنه لن يغري أحدا بالقيام برحلة طويلة لهذا السبب وحده.

غير أن التدابير التحفيزية النقدية والمالية خففت من هذا الأثر السلبي. كما أن ارتفاع مؤشر هاول يمثل بشير خير للاقتصاد ويقول هاول إن المؤشر عادة ما يسبق مؤشرات مديري المشتريات بما بين ثلاثة وستة أشهر.

وتنظر مجموعة أخرى من مؤشرات السيولة التي يتابعها ستيف دونزيه بشركة بيكتت أسيت مانجمنت إلى النفط من منظور السيولة الفائضة أي عندما تؤدي أسعار الإنتاج المنخفضة إلى تحرير موارد للاستثمار في الأصول المالية.

وقال دونزيه إن فائض السيولة الحالية بين 14 و16 في المئة، ارتفاعا من نحو سبعة في المئة في نهاية 2019، يشير ضمنا إلى إعادة تقدير معدل أسعار الأسهم إلى الأرباح بنسبة 50 في المئة خلال ستة أشهر.

وكان رد فعل أسواق الأسهم والسندات هادئا نسبيا على هبوط النفط هذا الأسبوع وربما كانت الأسعار تعكس بالفعل انخفاضات كبيرة مقارنة بالعام السابق في حين أن مجلس الاحتياطي الاتحادي يساند ديون الشركات بما في ذلك بعض السندات ذات المخاطر الاستثمارية العالية.

ولن يسري هذا على بعض منتجي النفط مثل السعودية وروسيا اللتين ستضطران للاستعانة بمدخراتهما للحيلولة دون الركود الاقتصادي. وعلى الجانب الآخر ستتمتع دول نامية مثل تركيا والهند بانخفاض تكاليف الاستيراد وتخفيف الضغوط التضخمية.

غير أن أحد الأمور التي تغيرت منذ فصول الانهيار النفطي السابقة هو بروز دور الولايات المتحدة كمصدر صاف كبير للنفط الخام إذ يقدر بنك مورجان ستانلي أن استخراج النفط والغاز يمثل فيها 0.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي وأربعة في المئة من استثمارات الأعمال.

وهذا معناه أن النفط الرخيص لم يعد عاملا إيجابيا فقط لأكبر اقتصاد في العالم، بل إن المحللين في مورجان ستانلي قدروا هذا الشهر أن انخفاض النفط بنسبة 50 في المئة سيؤدي إلى تراجع بواقع 25 نقطة أساس للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.

غير أن النتيجة قد تكون إيجابية في النهاية. فانخفاض أسعار البنزين للمستهلك بنسبة 40 في المئة سيتيح حسبما قال محللو مورجان ستانلي لعملائهم للأميركيين دخلا قابلا للإنفاق يبلغ 125 مليار دولار على أساس سنوي.

وأضافوا أن احتياطي مدخرات المستهلكين سيفيد في "تدعيم الانتعاش على الجانب الآخر" رغم أن النتيجة الصافية سالبة بالنسبة للنمو الأميركي في الأجل القريب.

ومبعث القلق الآخر هو أن انهيار النفط يعقد المساعي الرامية لدرء الانكماش في مختلف أنحاء العالم المتقدم.