هل يغيّر وباء كورونا الولاء السياسي للناخبين الأتراك

إسطنبول - أشار استطلاع للرأي أجرته مجموعة ماك الاستشارية في أبريل، أنّ 18 بالمائة من الناخبين الأتراك أعلنوا أنّ الوباء سيغير ولاءهم السياسي، وسيدفعهم إلى اختيار بدائل سياسيّة مختلفة عن تلك التي صوّتوا لها في انتخابات سابقة.

وأثار ذلك تساؤلات من قبيل: إلى أيّ حدّ يمكن أن يساهم وباء كورونا بتغيير الناخبين الأتراك لولائهم السياسيّ؟ هل تتغيّر المعادلة السياسية في تركيا في أعقاب أزمة كورونا؟ هل يلتزم الناخبون بالأحزاب التقليدية التي يصوّتون لها أم أنّ الأزمة غيّرت مزاجهم وفرضت عليهم ضرورة البحث عن بدائل جدّيّة يمكن أن تخرج البلاد من أزماتها؟ 

ولعبت الانتقادات الكثيرة لأداء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم في التعامل مع أزمة انتشار فيروس كورونا التي أثّرت بشكل كبير على الاقتصاد، دوراً في إثارة ردود أفعال كثيرة وصلت إلى دعوة بعض الأتراك لإجراء انتخابات مبكرة في البلاد، والإيحاء بأنّ هناك انتخابات قد تلوح في الأفق قبل موعدها المقرر في عام 2023.

يمثّل الاقتصاد نقطة ضعف أردوغان، وقد تتسبّب في القضاء عليه، ذلك أنّ الاضطراب الاقتصادي، والتخبّط في السياسات، ناهيك عن الابتعاد عن المنطق والموضوعية، من العوامل التي تزيد محنة البلاد الاقتصادية، وتفاقم أزمتها الممتدّة منذ أكثر من عامين.

وكان حزب العدالة والتنمية الحاكم يتباهى بإنجازاته الاقتصادية طيلة سنوات حكمه منذ 2002، وأنّه استطاع تحقيق نوع من الرفاهية الاقتصادية للأتراك، ولكنه لم يستطع المحافظة عليها، وبدأ الانحدار مع توريط أردوغان للبلاد في عدد من الأزمات، وانتهاجه سياسة الهروب إلى الأمام، والحديث عن المؤامرات والمكائد التي ينسجها أعداء تركيا لها، من دون أن يتحلّى بالمسؤولية ويعترف بقصور سياساته وعدم قدرتها على مواجهة الأزمات وحلّها.

وبالنظر إلى النتائج التي حقّقها حزب العدالة والتنمية الحاكم في انتخابات 2018، والتي لم يحصد فيها أكثر من 43 بالمئة، فإنّ بالإمكان القول إنّه يواجه خطر انحدار شعبيّته بشكل كبير، ولاسيما بعد انفضاض عدد كبير من أعضائه وقاعدته الجماهيرية عنه، وبعد انشقاق قيادات في الصف الأوّل عنه، وكذلك تأسيس أحزب معارضة انطلقت من رحمه، كحزب الديمقراطية والتقدم "ديفا" بزعامة وزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان، وحزب المستقبل بزعامة رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو.

وتأتي أزمة كورونا لتمثّل تحدّياً وجوديّاً لأردوغان وحزبه الحاكم، لذلك فإنّه يسارع الخطى للخروج من هذه الأزمة بحدّ أدنى من الخيبات الاقتصادية، لتخفيف حدّة الآثار الاقتصادية الناجمة عنها، والتي يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في شلّ الاقتصاد التركي بشكل أكبر وأكثر قسوة.

وفي هذا السياق قالت ميرال أكشينار، زعيمة الحزب الصالح اليميني المعارض، الأحد، إن شروط إجراء انتخابات مبكرة غير موجودة في تركيا حاليًا. وأضافت أنّه "لم يكن لدي أي شعور بأننا سنجري انتخابات مبكرة منذ البداية. لا أرى انتخابات مبكرة في ظل الظروف التي نعيشها".

كمال كليجدار أوغلو وميرال أكشينار
المعارضة التركية تحرج أردوغان

ومع بروز قيادات وازنة في صفوف المعارض، كرئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، ورفيقه من حزب الشعب الجمهوري المعارض، منصور يافاش رئيس بلدية أنقرة، ونجاحهما بالتعامل مع أزمة كورونا، وتقديمهما الدعم والمساعدة للمحتاجين، يستشعر الرئيس أردوغان الخطر، ويحاول وضع حدّ لطموحاتهما، وتحجيم شعبيّتهما المتنامية التي تعزّزت من خلال حملات المساعدة البلدية التي قاداها، وعبر التضييق عليهما، وتكبيلهما بالقرارات البيروقراطية التي تحدّ من مرونة العمل في بلديتيهما.

وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، فإنّ "أردوغان حاكم شعبوي النزعة متيم بإيهام الأتراك أن قيادته هي السبيل الوحيد لحماية البلاد من الأعداء الحقيقيين والمتخيلين. ولكنه يواجه حالياً أزمة وجودية لا تماثل أي شيء صادفه من قبل في حياته وهي جائحة كورونا".  

وفي سياق متّصل أيضاً، قال المحلل بوراك بكديل الاثنين إنه من غير المرجح أن يتعافى الاقتصاد التركي بعد فترة وجيزة من جائحة كورونا، وأنّ سياسات الرئيس أردوغان لا تزال تسبب ضغوطاً على الاقتصاد المتدهور بالفعل. وقال بكديل في مقال كتبه في صحيفة الجماينر: "يمكن أن تكون فترة ما بعد الفيروس التاجي وقتًا لاسترداد الحسابات الخاطئة لسياسة أردوغان وحسابات الأيديولوجية العمياء".

وقال بكديل إن الخطر الأكبر على الاقتصاد التركي هو أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات ردا على شرائها لأنظمة الدفاع الجوي الروسية إس-400. وأضاف إنه إذا تم نشر أنظمة الصواريخ الروسية، فقد يؤدي ذلك أيضًا إلى فرض عقوبات على بنك خلق الحكومي، المتّهم بالتورط في مخطط للتحايل على العقوبات الأميركية على إيران.

وهددت واشنطن أنقرة بالعقوبات وأوقفت تركيا عن برنامج بناء وتشغيل أحدث طائرات إف-35 بعد تلقي تركيا طائرات إس-400 في يوليو الماضي. وتقول الولايات المتحدة إن أنظمة إس-400 غير متوافقة مع أنظمة الناتو.

وبحسب المحلّلين فإنّ غرامة بمليارات الدولارات على بنك خلق يمكن أن تشل خطط أردوغان للتعافي الاقتصادي، وأنّ أردوغان واقع بين فكّي كمّاشة تضغط عليه، وأنّ من المفارقات أن خياره الوحيد لتجنب العقوبات الأميركية هو إبقاء نظام إس-400 قيد التشغيل، وهذا الخيار يمكن أن يعرّض تركيا لعقوبات روسية محتملة.

ومن باب المفارقة أنّ تركيا تواجه خطر فرض عقوبات روسية محتملة إذا تراجعت عن استخدام إس-400، وأنّه خلال خلاف دبلوماسي سابق عندما أسقطت تركيا طائرة مقاتلة روسية في عام 2015، ضغطت روسيا على تركيا وفرضت عليها عقوبات أصابت قطاعات رئيسة بما في ذلك السياحة وصادرات المواد الغذائية.

يلفت مراقبون أنّ الناخبين الأتراك سيختارون الأنسب لقيادة البلاد في مرحلة انتقالية قادمة، والتي من شأنها إخراج البلاد من أزماتها الاقتصادية والسياسية، وأنّه ليس هناك ما يلزمهم بالتصويت لأردوغان وحزبه الحاكم، ولاسيما بعد الفشل في عدد من الملفّات الرئيسة، وبعد تحويل تركيا من دولة محورية في الإقليم إلى دولة توصف بأنّها مارقة تمارس سياسات الضغط والابتزاز بحقّ الحلفاء والشركاء في الغرب والناتو.

ولا يخفى أنّ أحاديث أردوغان المتكرّرة عن المؤامرات التي تستهدف بلاده لم تعد مقنعة للناخبين الأتراك الذين يجدون أنّه يواصل تعنّته وتوريطه لتركيا في الأزمات، وأنّ سياساته وممارساته تتسبّب بالكوارث، وهي بمثابة مؤامرات بحدّ ذاتها على تركيا، وأنّه ليس من الدقة بمكان تكرار مزاعم المؤامرات التي تتربّص بها، ومن الضروري وضع حدّ للعبث الذي يمارسه في الداخل والخارج، وأنّ العقاب الشعبيّ له سيكون عبر صندوق الاقتراع، ومن خلال الانتخابات وبطرق ديمقراطية وحضارية.