هل وصلت حركة غولن التركية إلى النهاية؟

نزل خبر حقّان شوكور كالصاعقة على الكثير من الأتراك الأسبوع الماضي، حيث سلّط الضوء على سقوط حركة غولن بسرعة البرق؛ فقد انتهى الأمر بخير لاعب كرة قدم أنجبته تركيا إلى العمل كسائق أجرة في شركة أوبر وبائع كتب في الولايات المتحدة لتوفير لقمة عيشه.

في عام 2013، كان شوكور أيقونة الرياضة في تركيا، وكان نائباً في البرلمان عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، والذي ظل على مدى أكثر من عشر سنوات متحالفاً مع رجل الدين التركي فتح الله غولن، رفيق التيار الإسلامي.

في ذلك الوقت، كان غولن – المقيم في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة – له ملايين الأتباع في أنحاء العالم؛ وكانت شبكته تدير آلاف المدارس في شتى بقاع الأرض، وأعمالاً بمليارات الدولارات وعدداً من وسائل الإعلام ودور النشر. كانت الحركة تضم في عضويتها أيضاً آلافاً من العاملين في القضاء وقوات الشرطة والجيش في تركيا.

ووحّد حزب العدالة والتنمية وأنصار غولن قواهم من أجل تقليص نفوذ الجيش التركي، من خلال محاكمات طويلة في قضيتين بتهمة التخطيط لانقلاب. تلك المحاكمات، المثيرة لشكوك وتساؤلات كثيرة، جاءت في إطار قضيتي "أرغنكون" و"المطرقة" اللتين شهدتا سجن مئات من ضباط الجيش العلمانيين.

بعد ذلك، جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، والتي قُتل فيها نحو 250 شخصاً. وحمّل الرئيس أردوغان أنصارَ غولن مسؤولية التخطيط للانقلاب، ووضع الحركة على قوائم المنظمات الإرهابية (وباتت معروفة باسم حركة فتح الله الإرهابية). وعقد أردوغان قران شوكور على زوجته الأولى عندما كان عمدة إسطنبول في التسعينيات؛ أمّا الآن، فقد أصدرت الشرطة أمراً باعتقال شوكور، المتهم بالارتباط بحركة غولن، واستولت على ممتلكات له بملايين الدولارات، في إطار سلسلة من عمليات التطهير في أنحاء البلاد.

وفُصل أكثر من 150 ألف موظف حكومي من وظائفهم، بينما سُجن نحو 50 ألفاً بتهمة مناصرة غولن. وفرضت تركيا غلق مئات المدارس والشركات التابعة لغولن في أنحاء العالم، وضغطت على حكومات أجنبية – وبشكل أساسي في أفريقيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق – لتسليم أكثر من 80 مواطناً تركياً على صلة بغولن.

لكن في أوروبا، حظي الآلاف من أنصار غولن الموجودين في المنفى بترحيب حار، وسُمح لهم بالعيش هناك. لكن هذا بات مصدر توتر لتركيا، خاصة مع ألمانيا، التي يقول مسؤولون أتراك إن نحو 14 ألفاً من أنصار غولن يعيشون فيها الآن. وفي عام 2018، قال متحدث باسم حزب العدالة والتنمية إن تركيا تنتظر من برلين أن تتخذ خطوات ملموسة ضد حركة غولن وأن تسلّم آلافاً من أعضائها.

وقال كريستيان براكل، رئيس فرع مؤسسة هاينريش بول – التي تتخذ من برلين مقراً – في إسطنبول، إن السلطات الألمانية ليس لديها سوى القليل لتقدمه من الناحية القانونية.

أضاف في تدوينة صوتية لموقع أحوال تركية أنه "فيما يتعلق بحركة غولن، فإن أغلبية الناس الذين يناصرون الحركة في ألمانيا ليس لديهم سجل إجرامي بأي شكل من الأشكال... لا يعني هذا أنه لا يمكن توجيه اللوم للمنظمة، لكن من الصعب جداً إصدار أحكام بحق أشخاص لم يرتكبوا أي جُرم في ألمانيا".

وفرّ عشرات الآلاف من الأشخاص المشتبه في انتمائهم لحركة غولن من تركيا، لكنّ حملات التطهير ما زالت مستمرة. وألقت تركيا القبض على 176 جنديّاً الأسبوع الماضي، أُضيفوا إلى قائمة الضباط والجنود المعتقلين بتهمة الارتباط بحركة غولن، والتي تضم الآلاف.

وقال جان دوندار، الصحفي التركي المقيم في المنفى ورئيس التحرير السابق لصحيفة (جمهورييت)، في تدوينة صوتية لموقع أحوال تركية إن "أردوغان سحق المنظمة بأكملها، بعد أن ظلت متماسكة لسنوات... لقد خارت قواهم فجأة".

وتشير الأدلة إلى أن حفنة من أنصار غولن على الأقل لعبوا دوراً في محاولة الانقلاب الفاشلة؛ لكن الأرجح أن الأغلبية الكاسحة من أعضاء الحركة لم يكونوا على علم بالمخطط. وتشكل التغطيات الإعلامية التي تقدمها مؤسسات موالية للحكومة وجدان المواطنين الأتراك، ومن ثم فإنهم يتفقون إلى حد كبير مع وجهة نظر حزب العدالة والتنمية.

والكثير من أعضاء الحركة – سواء كانوا في المنفى أم يعيشون في تركيا – باتوا مثل شوكور، يبحثون فقط عن البقاء على قيد الحياة. وعدد المنظمات الدولية التي سقطت سقوطاً مدوياً وسريعاً مثل حركة غولن قليل.

وقال أحمد كورو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة سان دييغو، والذي كان مرتبطاً بالحركة في السابق، إن "الحركة لم تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد، لأن الناس ما زالوا يشاركون في أنشطتها في الكثير من الدول الغربية... لكن ما زال يمكننا القول بأنها ماتت في تركيا، بل وربما حتى عالمياً، حيث لا مستقبل مشرقاً لها".

في الوقت ذاته، فإن غولن نفسه يقترب سنه من الثمانين عاماً، وقد بدا هزيلاً في السنوات الأخيرة. ويُنظر إليه على نطاق واسع على أنه زعيم عنيد ما زال يرفض الاعتراف بأخطائه ولا يملك القدرة على فعل هذا.

وقال دوندار "لم نسمع أي شيء من غولن نفسه عمّا يدور، وما حدث، وما هو الخطأ وما هو الصواب... إذا كانت الحركة بهذه القوة، فلابد أن يكون هناك نقد ذاتي".

وتبنّى غوكهان باجيك، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بالاتسكي في جمهورية التشيك والكاتب في موقع أحوال تركيّة، رأياً مشابهاً؛ وكتب في مقال هذا الأسبوع يقول "ناهيكم عن السعي للتغيير، فإن الحركة لا تبدو حتى تعترف بأنها تعاني من أي مشاكل".

وينفى غولن أي تورط في محاولة الانقلاب، لكنه لم يقل أكثر من ذلك. وأشار باجيك إلى أن الحركة سمحت لشخصيات بارزة متهمة بأنشطة إجرامية – مثل بارباروس كوكاكورت وجوْدت تركيولو – بالبقاء في مناصبها، بدلاً من أن تؤكد نظافة يدها وتبدأ في إحراز تقدم. أيضاً، ظلت قيادات أخرى في مواقعها منذ السبعينيات.

وأطلق عدد من أنصار غولن منظمات تَركّز عملها على حقوق الإنسان، ومن بينها منظمة قدمت الرعاية للدعايا المناهضة لأردوغان خلال قمة الأمم المتحدة العام الماضي، وأُخرى تصدر تقارير حول انتهاكات تركيا لسيادة القانون.

ويرى دوندار أن من الأمور المثيرة للسخرية أن كل من شريكي الممارسات الديمقراطية المريبة السابقين (حزب العدالة والتنمية وحركة غولن) ينظر إلى الآخر على أنه معادٍ للديمقراطية. وقال "الآن هم يدافعون عن المبادئ التي ظللنا ندافع عنها لسنوات... لقد أدركوا لتوّهم خطر بعضهم البعض، والذي كنّا على علم به لسنوات".

وتُساعد حكومة حزب العدالة والتنمية الآن طوائف إسلامية أخرى ظهرت لتملأ الفراغ الذي خلّفه أنصار غولن الموجودون في المنفى. وظلت الطُرق الدينية قوةً لها نفوذ في تركيا لعقود، وأبرزها النقشبندية، وهي طائفة إخوانية محافظة لها عدة فروع. وخرج حزب العدالة والتنمية من رحم أحد تلك الفروع، بينما تنحدر جماعة غامضة تسمى "منزل" من فرع آخر.

وفي كتابهما (الورم الخبيث)، الذي نُشر العام الماضي، يقول الصحفيّان التركيّان باريش ترك أوغلو وباريش بهليفان إن الحكومة تستبدل أنصار غولن منذ عام 2014، وتحل محلهم أعضاءً من جماعة منزل. وتحدّثت منصة (تي24) التركية المستقلة في الآونة الأخيرة عن عشرات التعيينات في الشرطة، التي بُنيت على العضوية في منزل، وقالت إن هذه الجماعة لها وجود في جميع محافظات تركيا، البالغ عددها 81.

والهدف الرئيس لمنزل هو المصلحة الذاتية؛ فأعضاء هذه الجماعة يسعون إلى السلطة والنفوذ، فضلاً عن أنهم يديرون شركات كبرى ومدارس في الخارج ومؤسسات نشر وجامعة.

وكتب الصحفي المقيم في إسطنبول كيليان كوغان في مجلة (فورين بوليسي) الأسبوع الماضي يقول "الشبكة التي بنتها منزل تتشابه كثيراً مع تلك التي كان أنصار غولن يديرونها في يوم من الأيام... خلال الأشهر القليلة الماضية، تداولت وسائل إعلام تركية على نطاق واسع إسماً مختصراً للإشارة إلى منزل، يُشبه كثيراً مثيله الذي يُطلق على حركة غولن".

ويقول محللون إن منزل لم تقترب بأي شكل من الأشكال من حجم الثراء والنفوذ الذي كانت حركة غولن تتمتع به. غير أن استبداد حركة غولن الشديد، في حقيقة الأمر، يبدو الآن أشبه بعقب أخيل.

وكتب باجيك يقول إن "حركة غولن منظمة على الطراز التركي الحقيقي، وذلك يعني أنها لا تحتمل أي معارضة" مشيراً إلى أن غولن لم يُحاسَب أبداً. أضاف "نجاحات الحركة تُنسب إليه، لكن عندما يتعلق الأمر بفشلها، فإن تورطه في ذلك الفشل يُنفى".

وقال باجيك إن غولن لم يهتم كثيراً في أي وقت بالجانب المدني، وكان يُعطي الأولوية للتسلل إلى صفوف الجيش والمؤسسات الحكومية، عوضاً عن تطوير المدارس والمنظمات والشركات، التي يتعين على الحركة الاعتماد عليها اليوم. ويتوقف بقاء الحركة على الأرجح على أن يُقرّ غولن ورفاقه في صفوف القيادة بأخطائهم ويجدوا سبيلاً للتغيير.

وقال دوندار "هم بحاجة إلى نقد الذات هذا، وبعد ذلك يمكننا التحدث إليهم عن الأخطاء التي حدثت والوضع الذي سيتخذونه في الحياة السياسية والاجتماعية في تركيا... لكن في الوقت الحالي، كل ما أراه هو تقهقر كامل، وأنهم لا يعرفون ما يمكنهم فعله".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/gulen-movement/end-turkeys-gulen-movement
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.