هل وعد بوتين أردوغان برأس العين حقًا مقابل إدلب؟

لا تزال الحرب في سوريا مستمرة منذ تسع سنوات.

فقد مئات الآلاف، خلال السنوات التسع، أرواحهم، وأصيب ملايين آخرون، في بلد لا يتعدى عدد سكانه 25 مليون نسمة، بإعاقات دائمة. لقد مُحيت المدن التاريخية من الخريطة، بعد ما أصابها من دمار هائل يصعب إصلاحه. وخلال هذه الفترة أيضاً، دفع الأكراد كذلك ثمناً باهظاً كي ينجوا بأنفسهم بعيداً عن المنطقة التي تدور فيها الحرب.  

فقد الأكراد كذلك، في نضالهم ضد المنظمات الإرهابية مثل داعش والنُصرة، خلال هذه الفترة، ما لا يقل عن 11 ألفاً من مقاتليهم؛ ليتمكنوا في النهاية من تخليص سكان المنطقة بأسرها من هؤلاء البرابرة. وعلى الجانب الآخر، زاد أردوغان، المعروف بحمايته لهذه الجماعات الإرهابية ودعمه لها، من عدائه للأكراد، إلى مستوى غير مسبوق.  

وفي خضم هذه الأحداث، صار من الصعوبة بمكان التنبؤ بمستقبل سوريا المُقَسمة المُمَزقة. ومع تدخل دول، لكل منها أجندتها الخاصة، في سوريا، انجرفت الأخيرة إلى نفق الحروب المظلم، الذي تحاول عبثاً الخروج منه. ورأينا تضارباً كبيراً بين ما يُقال، وما يجري فعلياً على أرض الواقع، بشأن التوصل إلى حل سياسي للأزمة هناك؛ فقد أثبتت الأحداث أن قول الولايات المتحدة وروسيا، وتتقدمهما تركيا بالطبع "نحن ندافع عن وحدة أراضي سوريا" لا يعدو كونه مجرد كذبة كبيرة بعيدة كل البعد عن المخططات الحقيقية لتلك الدول.

كان رجب طيب أردوغان أكثر الزعماء الذين حاولوا الترويج لهذه الكذبة. بمعنى آخر؛ كانت إدارة أردوغان هي التي عملت على تقسيم سوريا وتمزيق أراضيها. لقد أرادت كل واحدة من تلك الدول تعزيز موقعها في المعادلة الجديدة في سوريا؛ فمن جانبها، لم تنسحب القوات الأمريكية بشكل كامل من هناك؛ فكل ما فعلته أنها غيرت موقعاً أو اثنين من المواقع التي تتمركز فيها. وبدورها وجدت روسيا الفرصة سانحة أمامها لتعزيز وجودها في المنطقة، وتوسيع نطاق نفوذها هناك. أما الأكراد، فاستمروا في نضالهم ضد تنظيم داعش الإرهابي تارة، والآن ضد المحتل التركي تارة أخرى.

أما النظام في دمشق، الذي عجز حتى عن حماية أرضه، فهو عالق بين روسيا والدولة التركية. اختار نظام الأسد أن يدخل تحت جناح روسيا؛ ظناً منه أنها ملاذه الآمن، ولم نسمع له صوتاً يندد بالاحتلال التركي لأراضيه. باختصار، أصبح النظام في دمشق رهن المفاوضات الجارية بين الدولتين الروسية والتركية؛ بمعنى أن دمشق فقدت إرادتها المستقلة. ومع ذلك، فلا تزال تراوده أحلام عودة الأوضاع في سوريا إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

هذه باختصار الصورة الحالية للوضع على الساحة السورية اليوم. 

ووسط هذا كله، لا تزال الهجمات الاستعمارية، التي تشنها تركيا، مستمرة حتى الآن. لقد تأكد، على المستوى الدولي، أن نظام أردوغان هو الذي يقف وراء جميع العصابات الإرهابية في المنطقة، وعلى رأسها تنظيم داعش، وهو الذي يمدها بالمال والسلاح. وهذا يعني أيضاً أن حكومة أردوغان هي المسؤول الأول عن اندلاع الحروب، التي نشهدها اليوم في المنطقة، بكل ما خلفته من قتل ودمار دفع الملايين إلى ترك وطنهم ومنازلهم والنزوح من المنطقة بكاملها.  

كان إنكار وجود الأكراد ومنعهم حقوقهم، والنزعة التوسعية الاستعمارية لدى أردوغان، وأحلامه لإحياء الإمبراطورية العثمانية من جديد هي الباعث لديه على ارتكاب كل هذه الكوارث. أما حديثه عن "المنطقة الآمنة" و"السلام" و"تحقيق الاستقرار" فكانت مجرد غطاء لصرف الانتباه عن أهدافه الحقيقية، التي تأكد أنها تجر المنطقة بأسرها، مع كل يوم يمر، إلى فوضى أعمق.

لقد بدأت تركيا مرحلة جديدة بهجومها على عفرين، التي كانت من أكثر المناطق أمناً في سوريا، واستضافةً لمئات وعشرات الآلاف من طالبي اللجوء. قامت تركيا باحتلال عفرين في عملية عسكرية أطلقت عليها اسم "غصن الزيتون"؛ لتتحول تلك المدينة الآمنة إلى مكان مختلف تماماً تُرتكب فيه جرائم ضد الإنسانية. أما الهجمات التي شنتها تركيا في 9 أكتوبر 2019على شمال شرق سوريا، بالتنسيق مع روسيا والولايات المتحدة، فلم تسفر عن ارتكاب المزيد من الجرائم ضد الإنسانية فحسب، بل أتاحت الفرصة كذلك لعودة جماعات إرهابية مثل تنظيم داعش إلى الظهور مرة أخرى في رأس العين وتل أبيض.

وتسببت الهجمات الجديدة كذلك، وما صاحبها من عمليات إبادة جماعية، في معاناة كبيرة للأكراد والعرب والآشوريين (السريان) والأرمن، الذين يحاولون لملمة جراحهم، مع الفقر والجوع والموت مرة أخرى.

أُجبر السكان في منطقة رأس العين، الذين عانوا من ثلاث حروب خلال السنوات التسعة الماضية، على ترك مدن الخيام، التي أقامتها الإدارة الذاتية بإمكاناتها المحدودة، والعيش حياة المهاجرين والرحالة على بعد بضعة كيلومترات من منازلهم. وفي المقابل، قام أردوغان بتوطين عصابته وأعوانه على أراضيهم ومساكنهم، التي عاشوا فيها منذ آلاف السنين.  ليس هذا فقط، بل وقامت الحكومة التركية، علاوة على ذلك، بتعيين حاكم على هذه المنطقة، كما لو كانت إحدى مدن جمهورية تركيا.  

المنطقة الأخرى التي يحتلها أردوغان هي مدينة تل أبيض. وفي الحقيقة، إن الوضع في تل أبيض لا يختلف كثيراً عما تشهده باقي المناطق، التي احتلها أردوغان في سوريا؛ فقد اضطرت أعداد كبيرة من السكان، التي تم عزلها عن العالم تماماً، من خلال الهجمات الاستعمارية التركية، إلى ترك موطنهم في حين يعيش، الذين أصروا على البقاء، محاصرين داخل المدينة، وحُرِم عشرات الآلاف من الأشخاص، الذين تقطعت بهم السبل تحت الاحتلال، من المياه والكهرباء، بل وعجزوا عن تلبية الاحتياجات المعيشية الأساسية. ومن ناحيتها، قامت القوات التركية بفرض حظر على السكان هناك، ومنعتهم من مغادرة المدينة، أو بعبارة أخرى إنهم صاروا مثل الرهائن لديها. أما الذين يحاولون التسلل إلى مدن أخرى مثل عين العرب أو عين عيسى من أجل تأمين الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، فيتم ذبحهم بوحشية على أيدي الجماعات المتعاونة مع أردوغان.

لقد استخدمت الدولة التركية، بشكل مكثف، المنظمات الجهادية المتطرفة في احتلالها للأراضي السورية. ولا شك أن هذه المنظمات كانت هي العنصر الحاسم في نجاح أردوغان في احتلال الأراضي السورية؛ حيث استغلت تركيا العشرات من تلك الشبكات الإجرامية، إضافة إلى تنظيم داعش وجماعة أحرار الشام، لتأمين دخولها إلى الأراضي السورية، ولا تزال تستعين بهذه الجماعات إلى الآن لتأمين تحركاتها في المنطقة من إدلب حتى رأس العين.

ومع هذا، يبدو أن أردوغان لن يلتزم طويلاً بخطته للبقاء في إدلب؛ فقد نفذ الجيش السوري، مدعوماً بالقوات الروسية الموجودة هناك، خلال الأسابيع القليلة الماضية، عمليات جوية وبرية واسعة النطاق في محيط هذه المنطقة. ويعمل الجيش السوري حالياً، بدعم من القوات الروسية كذلك، على محاصرة إدلب التي يحتلها الجيش التركي. 

لقد ضيَّق الجيش السوري الخناق، بالعملية العسكرية، التي بدأها في إدلب، على القوات التركية هناك، والعصابات الداعمة لها من جماعة النصرة، لدرجة أنها عجزت عن القيام بهجوم مضاد. وهي الآن تفقد مواقعها هناك بالتدريج. وفي الأسبوع الماضي، دخل الجيش السوري بلدة معرة النعمان، وقام بمحاصرة القوات التركية، والعصابات التابعة لها في هذه المنطقة، مما اضطر المدنيين، تحت ضراوة الحرب المشتعلة في إدلب، إلى الفرار صوب الحدود التركية. وهذا يعني أن السياسة الاستعمارية، التي يتبعها أردوغان، قد تؤدي إلى حدوث موجة نزوح جديدة من الجانب السوري باتجاه الحدود التركية.  

وفي سياق متصل، تسربت أخبار عن عقد أردوغان، الذي بات يعرف أنه سيُمنى بالهزيمة في إدلب، صفقة، قبل أسبوعين، مع الرئيس الروسي بوتين. ووفقاً لهذه الأخبار، فإن  بوتين سيسمح لأردوغان بمهاجمة مدينة رأس العين، التي تمثل قيمة رمزية عند الشعب الكردي، في مقابل تركه إدلب.  

ما الذي يحاول بوتين الوصول إليه باتفاق كهذا؟ أو بعبارة أخرى، ما هي الخطة التي تدور برأس بوتين؟ يبدو لي أنه سيترك المناطق الواقعة تحت سيطرة الأكراد إلى أردوغان، ثم يستعيدها منه مرة أخرى، ولكن هذه المرة بأيدي النظام السوري. ولو كان هذا هو ما يخطط له بالفعل، فهذا يعني أن أردوغان سيُمكِّن بوتين من القضاء على الأكراد، بل وعلى الدولة التركية بشكل تدريجي.

ومع ذلك، فبوتين لن يختار مواجهة الأكراد، الذين صاروا عنصراً فاعلاً ومؤثراً في المنطقة أكثر من أي وقت مضى، بعد الدعم والتعاطف الكبيرين، اللذين حصلوا عليهما من قبل شعوب العالم. والأهم من ذلك أن بوتين يستغل النزعة التوسعية، التي تعاظمت لدى أردوغان، ليجعل الأخير عصا يضرب بها أي مكان يريده. وسوف تُظهر الأيام إلى أي مدى سيسير أردوغان وفق هذه الخطة.  

وبالنظر إلى التطورات الراهنة على الساحة الآن، ستصبح قضية إدلب أكثر تعقيدًا مما كنا نعتقد، كما أن اتجاه روسيا لخوض مواجهة أخرى مع تركيا على الأراضي الليبية هذه المرة، جعل الأمور أكثر تعقيداً.  ومن المتوقع ألا يخرج اجتماع أردوغان مع بوتين في العام الجديد بجديد؛ فالموضوع الأهم في الصفقة هو الأكراد، وبالتالي إذا حصل أردوغان على ما يريده من المسألة الكردية، فسوف يسلم إدلب إلى بوتين دون أية مشكلات. ومع ذلك، فالواضح أن أمراً كهذا لن يقود إلى حلٍ للقضية السورية ككل.

هذه هي الحقيقة، التي يقبل بها كل شخص، والتي ستكشف عنها التطورات الجديدة في الشهور الأولى من عام 2020. وفي رأيي، إنه من غير المنطقي ألا ننظر إلى التطورات في إدلب بمعزل عن حلف الناتو كذلك..

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/idlib/putin-idlibin-karsiliginda-erdogana-kobane-sozu-mu-verdi

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.