هل نجح أردوغان بإقناع ترامب بالتخلي عن أكراد سوريا

في حين أن تخلي الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أكراد سوريا حلفاء الولايات المتحدة في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد أثار غضب الأكراد وأوقع خبراء السياسية الخارجية في حيرة وارتباك، إلا أن هذه الخطوة لن تلقى سوى لامبالاة جماعية من الناخبين الأميركيين على الأرجح.

فمعظم الناخبين في الولايات المتحدة، لاسيما أولئك أدلوا بأصواتهم لصالح مرشح وعد بإنهاء خوض أميركا في حروب خارجية، لن يتأثروا بالتنديدات الموجهة لموافقة ترامب الضمنية على رغبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مهاجمة وحدات حماية الشعب التي يقودها الأكراد وإعادة اللاجئين السوريين قسريا للخضوع تحت رحمة الرئيس السوري بشار الأسد.

في أثناء الحملة الانتخابية التي خاضها في العام 2016، أعلن ترامب عن نيته إعادة القوات الأميركية من أفغانستان والعراق. وعلى غرار سلفه باراك أوباما، أدرك ترامب أن معظم الناخبين الأميركيين لا يفقهون سبب خوض القوات الأميركية حروبا خارجية لا تلوح لها نهاية في الأفق. وقد أكد ترامب منذ توليه منصبه على الوفاء بالوعود التي قطعها خلال حملته الانتخابية، إذ شعر بأن الناخبين الأميركيين يهتمون بوفائه بوعود الحملة الانتخابية أكثر من الالتزام برؤية استراتيجية للسياسة الخارجية الأميركية.

سوف يشير المعلقون والمحللون المعنيون بالسياسة الخارجية، وهم محقون في ذلك، إلى التداعيات السلبية المترتبة على التخلي فجأة عن حليف في ساحة المعركة حاربت قواته بجانب القوات الأميركية ضد عدو مشترك. سيشيرون إلى ما يبعثه ذلك من رسالة للآخرين بشأن المخاطر التي ينطوي عليها تشكيل تحالف مع الولايات المتحدة. بالطبع يمكن القول بأن ترامب اتخذ قرارا استراتيجيا فضّل فيه بلدا زميلا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) على حليف مؤقت له، بيد أن هذا من شأنه أن يضفي على قرارات ترامب عمقا في التفكير أكبر مما أظهرته في أي وقت مضى.

والأرجح أن ترامب اعتبر التنسيق مع وحدات حماية الشعب بمثابة ترتيب مؤقت من البداية، وأن وحدات حماية الشعب استفادت منه أكثر من الولايات المتحدة. بل لن يفاجأ أحد إذا تبين أنه يعتقد أن وحدات حماية الشعب استغلت الولايات المتحدة، تماما مثلما قال عن شركاء آخرين لأميركا.

هذا الوفاء بالوعود يقع في صميم جهود أردوغان المستمرة لإزاحة العائق الأميركي من أمام حملته ضد وحدات حماية الشعب. ثمة خلاف حول الصلات التي تربط بين وحدات حماية الشعب وقيادة حزب العمال الكردستاني، الذي تتفق تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على أنه منظمة إرهابية؛ غير أن أردوغان على اقتناع بأن وحدات حماية الشعب ليست أكثر من كونها الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.

ما من شك أن الكثير من الأكراد السوريين الذين يقاتلون في صفوف وحدات حماية الشعب قد عملوا أيضا في صفوف حزب العمال الكردستاني. وقيام الولايات المتحدة في الواقع بحماية ما يعتبرهم إرهابيين هو أمر غير مفهوم لأردوغان. وفي هذا يحظى الرئيس التركي بالدعم الشديد والواسع من الناخبين الأتراك.

ربما لم يكن أردوغان يدرك أن ترامب على استعداد لقطع العلاقات مع وحدات حماية الشعب، لكنه كان يعرف بالتأكيد أن ترامب يريد إخراج القوات الأميركية من سوريا. وبالطبع كان يعلم من التقارير الصحفية أن ترامب منزعج من الاضطرار للرجوع عن تعهده الذي قطعه لأردوغان في شهر ديسمبر من العام 2018 بسحب جميع القوات الأميركية وإفساح المجال أمام تركيا للقضاء على فلول داعش.

عمل أردوغان بتأن وصبر لحمل ترامب على الوفاء بوعده للناخبين الأميركيين في 2016 وتعهده في 2018 بسحب القوات الأميركية من سوريا. وقد تبنى ترامب في الواقع وجهة نظر أردوغان بأنه لا معنى لاستمرار الولايات المتحدة في حمايتها لحزب العمال الكردستاني/قوات حماية الشعب الآن بعد التخلص إلى حد كبير من التهديد الذي يشكله تنظيم داعش.

هل هناك فرصة للعدول عن القرار؟ لا – فهذه المرة تم إرسال أوامر العمليات إلى القادة الميدانيين وبدأت القوات الأميركية في الانسحاب. وعلى عكس ما حدث في شهر ديسمبر من العام الماضي، لا توجد أي فرصة أمام المستشارين المدنيين أو العسكريين لإقناع ترامب بتأجيل قراره أو تعديله.

هل سيفعل الكونغرس أي شيء بالنيابة عن وحدات حماية الشعب أو الأكراد السوريين؟ لا تحتاج الإجابة عن هذا السؤال سوى النظر إلى مدى ضعف قدرة السلطة التشريعية في الولايات المتحدة على معاقبة السعودية على قتل جمال خاشقجي، الذي كان مقيما دائما بشكل قانوني في الولايات المتحدة ويعمل في صحيفة واشنطن بوست. كذلك في ظل تركيز مجلس النواب الأميركي على التحقيقات التي تجريها عدة لجان بشأن تصويت المجلس بكامل أعضائه على قرار الاتهام وبدء إجراءات مساءلة ترامب بغرض العزل، لا يهتم الكونغرس بأن يكلف نفسه عناء توضيح سبب أهمية هذا القرار الذي اتخذه ترامب للناخبين الأميركيين وللمصالح الأميركية.

تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد لمحت إلى أنها "لن تدعم أو تشارك في العملية" بشمال سوريا. ولعلها تذكرة مفيدة للجيش التركي بأن شروعه في التدخل في دولة أجنبية يرفع عنه الحمايات التي تكفلها له المادة 5 من معاهدة الناتو. فإذا تعرضت القوات التركية المرسلة إلى سوريا لهجوم من سوريا أو روسيا أو أي دول أو منظمات أخرى، فعليها ألا تتوقع أي مساعدة من حلفائها في المعاهدة. وأغلب الظن أن السلطان الجديد أردوغان اتخذ ترتيباته بالفعل مع القيصر الجديد فلاديمير بوتين.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/turkeys-erdogan-won-campaign-persuade-trump-give-syrias-kurds
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.