هدم المؤسسات التركية أكبر خسارة تسبب فيها الحزب الحاكم

من المتوقع أن يكون للسياسات التي انتهجها حزب العدالة والتنمية بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان على مدى السنوات الثماني الأخيرة عواقب وخيمة وواسعة على مستقبل تركيا.

وعانى المجتمع والعمل السياسي، وخاصة الاقتصاد، من ضربات قوية جراء الانهيار السريع لمؤسسات البلاد.

وواضح أن معدلات النمو آخذة في التراجع في أوروبا وأنحاء أخرى من العالم؛ لكن معدل النمو في أي من الدول النامية لم ينخفض إلى المستويات البالغة التدني التي سجلتها تركيا، حيث تراجع النشاط الاقتصادي 2.4 في المئة على أساس فصلي في الأشهر الثلاثة المنتهية في ديسمبر، بعد انخفاض بلغ 1.6 في المئة خلال الأشهر الثلاثة السابقة. والموقف محفوف بالمخاطر، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد التركي 2.5 بالمئة هذا العام.

وتدمير المؤسسات التركية هو السبب الرئيس الذي جعل حزب العدالة والتنمية يُفرز للبلاد نمواً سلبياً وارتفاعاً كبيراً في معدلات التضخم، على الرغم من أن الحزب كان قد وعد بالاستقرار والرخاء عندما وصل إلى السلطة في عام 2002.

والقائمة التي تضم تلك المؤسسات المُدَمّرة طويلة، ومن السهل تحليل كل حالة بشكل منفصل. لكني سأتحدث في هذا المقال عن قدر يسير من تلك المؤسسات التي أعتقد أنها مهمة. ولا أنصح أحداً بالبحث عن عصر ذهبي للمؤسسات التركية؛ فقد كانت تلك المؤسسات ضعيفة الأداء في الماضي، لكنها اليوم باتت منهارة تماماً.

وأؤكد أن تلك المؤسسات لم تفشل، لكنها تعرضت للتدمير، حيث ظل حزب العدالة والتنمية في السنوات الماضية يسعى لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية واجتماعية من وراء انهيار المؤسسات. ودعونا نسلط الضوء على هذه النقطة، ألا وهي أن انهيار المؤسسات أمر كارثي على المجتمع، لكن عُصبة صغيرة ممن هم في السلطة يمكنها أن تحقق مكاسب من وراء هذه الكارثة، وهذا هو ما يحدث في تركيا.

وسيادة القانون كمفهوم دستوري وقانوني هي أهم ركن من الأركان المؤسساتية التي تعرضت للتدمير. وقد كانت سيادة القانون وجميع المؤسسات المعنية بهذا الأمر دائماً من الأمور المثيرة للمشاكل في تركيا. ففي عام 1971 على سبيل المثال، وصفت محكمة الاستئناف المواطنين غير المسلمين بأنهم أجانب. وفي عام 2007، انحازت المحكمة الدستورية إلى العلمانيين وأبطلت التصويت الرئاسي في البرلمان، في محاولة للحيلولة دون ترشح عبد الله غول عن حزب العدالة والتنمية لمنصب الرئاسة. لذا، فإننا ليس لدينا أي عصر ذهبي فيما يتعلق بالمؤسسات.

بيد أنه من الملاحظ أن وتيرة تآكل مؤسسات الدولة وتعفنها تزداد منذ عام 2010. واليوم، لم يعد أحد في داخل تركيا أو خارجها يثق في المؤسسات القانونية الموجودة في البلاد، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية نفسه. وفي بيئة انهارت فيها سيادة القانون، لا يمكن لأحد أن يتحدث عن وجود مجتمع أو دولة من الأصل، لأن تأسيس دولة يعني بالتبعية ترسيخ سيادة القانون، ومن ثم فإن تدمير سيادة القانون معناه تدمير الدولة. ويمكننا أن نلاحظ هذه الحقيقة المؤسفة في مناحي الحياة كافة.

وفي أي مكان تنهار فيه المؤسسات القانونية، تُصبح العلاقات بين الناس والمؤسسات إلى حد كبير مهتزة، وهو ما يخنق الاقتصاد. فإذا غابت سيادة القانون، كما هو الحال اليوم، فلن تكون هناك حقوق ملكية. وفي أي بلد يسهل فيه تقويض حقوق الملكية، تتبخر المدخرات والاستثمارات. في هذا الإطار، كانت تركيا تواجه اختناقات حادة في الاستثمار الأجنبي المباشر، المهم جداً للبلاد لكي تصل إلى النمو المستدام.

ويُبين الحكم الذي صدر في الآونة الأخيرة من المحكمة الدستورية بشأن قضية رجل الأعمال الخيرية عثمان كافالا أن الوضع تجاوز الآن حدود القواعد العالمية ذات الصلة بسيادة القانون. ورفضت المحكمة الأسبوع الماضي طعناً قدمه كافالا، الذي ظل قابعاً في السجن لأكثر من 18 شهراً بتهمة محاولة الإطاحة بالحكومة.

وهناك محاكم أخرى في وضع مماثل، مثل محكمة الاستئناف، ومحكمة المحاسبات، والمجلس الأعلى للانتخابات، فضلاً عن محاكم أقل درجة.

وأتمنى أن يركز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والدائرة المقربة منه أكثر على سيادة القانون خلال الحقبة العثمانية، بدلاً من هذا البكاء على أطلال الدولة البائدة والحنين لماضيها بكل مظاهره، بداية من تنظيم الحفلات السخيفة ووصولاً إلى إحاطته نفسه برجال يرتدون ملابس غريبة.

ومن الممكن قياس موقف سيادة القانون والمؤسسات القانونية كماً بالنظر إلى عدد الأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية التي تقول إن تركيا انتهكت الحقوق والحريات. ومنذ قبلت تركيا بالاختصاص القضائي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 1989، بلغ عدد الأحكام التي صدرت بناء على انتهاك بند واحد على الأقل من بنود الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان 3128 حكما من أصل 3532 حكماً أصدرتهم المحكمة فيما يخص تركيا. وأصدرت المحكمة قرارات في 146 قضية بشأن تركيا عام 2018، وقالت في 140 من هذه الأحكام إن تركيا انتهكت حقاً واحداً على الأقل من الحقوق الواردة في الاتفاقيات.

وبعد سيادة القانون، نجد أيضاً المؤسسات التعليمية تنهار. وتُظهر الجامعات، وخاصة أقسام القانون، الحلقة المفرغة التي تدور فيها تركيا، حيث تتداعى المؤسسات التعليمية والقانونية.

ولا يقتصر الأمر على الجامعات، وإنما جميع المراحل التعليمية والمؤسسات التعليمية تمر بأزمة كبيرة. ويبدو أنه لا مخرج من الأزمة، حيث أن جودة المُعلمين والمؤسسات التعليمية التي تدرب المُعلمين في مستوى أقل من المتوسط بكثير.

والتعليم أمر ضروري للتنمية المستدامة، حيث يزيد الإنتاجية. ومن ثم، فإنه مع انهيار المؤسسات التعليمية والقانونية، لن يكون الاقتصاد قادراً على تحقيق التنمية المستدامة لوقت طويل.

وتمتد الأزمة الإدارية إلى المؤسسات المالية العامة والخزانة. ويفقد البنك المركزي مصداقيته في داخل تركيا وخارجها.

والأمر لا يختلف بالنسبة لوسائل الإعلام. فنجد أن شبكتي البث والوكالة اللتين تديرهما الدولة قد تعرضتا لخسارة قدر كبير من مصداقيتهما ومركزهما، كما كان الحال مع قنوات أنباء خاصة مثل سي.إن.إن ترك.

وفي بلد تتآكل فيه المؤسسات وتنهار إلى هذا الحد، من المستحيل أن يكون به مجتمع فاعل، حيث أن المؤسسات هي القيود التي وضعها الإنسان لتشكل التفاعل الإنساني، وفقاً لما يقوله الخبير الاقتصادي دوغلاس نورث الحائز على جائزة نوبل. وبالنظر إلى آفاق جودة المؤسسات، فإن تركيا لن يكون لديها مجتمع فاعل لزمن طويل.

وسيظل انهيار المؤسسات مشكلة لأجيال، وستكون له عواقب على البلاد وعلى الدولة قد تستمر لعقود.

وستكون إعادة بناء المؤسسات مهمة صعبة للغاية.

وحين يخسر حزب العدالة والتنمية نفوذه، ستكون إعادة بناء المؤسسات المنهارة مهمة شاقة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-politics/greatest-damage-done-turkeys-ruling-party-destruction-institutions
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.