أردوغان يغير أساليبه ويعتمد منظومة أمنية جديدة في ليبيا

بنغازي – يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اعتماد منظومة أمنية جديدة في ليبيا تعتمد على إغراء قادة الجماعات المسلحة من خلف ظهر السراج بشرط تنفيذ التوجهات التركية.

وظلت تركيا طوال الشهور الأخيرة تنظر إلى الحرب في شمال غرب ليبيا باعتبارها تدور بين قوّتين رئيسيتين، هما قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، وقوات حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج.

العالم أيضا ما زال يتعامل مع هذا الأمر كحقيقة مسلم بها، بينما الواقع يقول عكس ذلك، فكل ميليشيا من الميليشيات التابعة للسراج تدير نفسها كغرفة علميات منفصلة عن الغرف الأخرى، رغم أنها جميعا تحارب ضد الجيش الليبي.

وكشف تقرير نشرته صحيفة العرب اللندنية واسعة الانتشار، أنّ اسم ضابط تركي شاب، يدعى إينال تاركان، أخذ يتردد، منذ بضعة أسابيع، في أوساط قادة الجماعات المسلحة في شمال غرب ليبيا، خاصة في طرابلس ومصراتة والزاوية. تقول الأخبار عنه إنه شاب نشط ويعمل بلا كلل ولا ملل لعرقلة تحركات الجيش الوطني الليبي، حتى لو كان ذلك باستهداف بلدات مسالمة وتؤيد الجيش، مثلما حدث في صرمان وصبراتة مؤخرا.

وبحسب الصحيفة اللندنية فإنّ الضابط تاركان (وينطق أيضا طارقان) يتعامل مع الفسيفساء المسلحة في شمال غرب ليبيا بطريقة مختلفة، مستعينا بخبرته التي اكتسبها من خلال مشاركته في إدارة شؤون الجماعات الإرهابية في شمال سوريا. الطريقة ببساطة “اضرب في أي مكان حتى تستطيع أن تربك الخصم”.

تسعى تركيا لكسر قوة الجيش الوطني الليبي منذ أن اقترب من أبواب طرابلس في أبريل العام الماضي، وتصمم على هدفها هذا رغم هزيمة الجماعات المسلحة الموالية لها على يد الجيش نفسه في بنغازي ودرنة ومدن الجنوب في الأعوام الثلاثة الماضية.

وتعي أنقرة أن سيطرة الجيش على كامل تراب ليبيا تعني خسارتها لموارد مالية ضخمة تأتي إليها على طبق من ذهب من ثروات الليبيين، لذلك وقعت مع فايز السراج، في نوفمبر الماضي، اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية والتعاون الأمني والعسكري.

واستغل أردوغان هذه الاتفاقيات في إدارة الصراع في ليبيا بنفسه. وإضافة للدعم العسكري الموجه إلى الميليشيات مباشرة، أشرف في الشهور الأخيرة على تغييرات أخرى غير عسكرية، منها ما يخص البنية التشريعية والمصرفية والمحاسبية.

وبحسب صحيفة العرب فإنّ مصادر أمنية في طرابلس، تعتقد أن رجال أردوغان كانوا في ذلك الوقت يخططون للدفع بوجوه عسكرية جديدة، من بينهم الضابط تاركان. وتقول تقديرات أمنية في طرابلس إن قيمة الأسلحة التي اشترتها حكومة السراج من تركيا بلغت أكثر من عشرين مليار دولار، خلال الفترة من تاريخ توقيع اتفاقية نوفمبر إلى شهر أبريل الجاري، ناهيك عن رواتب المقاتلين المرتزقة الذين ترسلهم تركيا للقتال مع قوات السراج.

أردوغان والسراج
هل يخرج أردوغان السراج من المشهد

وعززت أنقرة أيضا من قدرات ما يسمى بـ"برلمان طرابلس"، المنشق عن البرلمان الشرعي. كما تمكنت من تحصيل فواتير بملايين الدولارات بحجة علاج الجرحى الليبيين في مستشفياتها. ووقفت وراء تأجيل ملفات التحقيق مع متهمين (محسوبين على جماعة الإخوان) بتبديد الأموال العامة في طرابلس. بالتزامن مع هذا أشرف عملاء تركيا في ليبيا على تنفيذ عمليات قذرة ضد الجيش الوطني، وضد مرافق الدولة، منها مثلا ما حدث في مدينة غريان (90 كيلومترا جنوب طرابلس)، حين استهدفت مجموعة إرهابية جرحى الجيش في مستشفى المدينة، في عملية غادرة، في يونيو الماضي.

حاولت قوات تابعة لقائد المنطقة العسكرية الغربية اللواء أسامة الجويلي استهداف قوات الجيش في قاعدة الوطية (نحو 140 كيلومترا غرب طرابلس) في الشهر الماضي، لكنه كان هجوما فاشلا.

وفقا لتصريح مصدر أمني ليبي شارك الضابط تاركان في مناقشة فشل خطة الوطية، "كانت هذه هي المرة الأولى التي نرصد فيها وجوده في طرابلس، كان السفير سرحت أكسن (سفير تركيا في ليبيا) يعول عليه".

ورغم الإنفاق الضخم للسراج على الأسلحة والطائرات المسيرة والمستشارين العسكريين الأتراك والمرتزقة، إلا أن نظام أردوغان كان يشعر أن الجيش الوطني يتقدم بخطوات حثيثة. ويستحوذ على تعاطف القوى الشعبية. ويقيم التمركزات العسكرية والدفاعية في نقاط يصعب على الطائرات المسيرة الوصول إليها.

بدأت تحركات الجيش عموما تثير القلق لدى النظام التركي، ووجد أردوغان أحلامه العثمانية في ليبيا تتبخر أو على المحك، والفشل يمكن أن يزيد من عزلته السياسية في الداخل التركي، وفي العالم أيضا. والتراجع “الأردوغاني” في ليبيا تتبعه حسابات أخرى لسياسة أنقرة في سوريا ومع روسيا ومع دول أوروبا خاصة الواقعة على البحر المتوسط.

وبحسب تقرير العرب، فإنّ أنقرة غيرت من طريقة عمل مستشاريها من عسكريين ورجال مخابراتها في ليبيا بشكل لافت في الأسابيع الأخيرة، وفقا لمصدر أمني ليبي في طرابلس. واعتمدت أنقرة على خطط أخذ تاركان ينفذها بحرفية كبيرة، بإشراف من أكسن. تعتمد هذه الخطط على التواصل والتنسيق مع قادة الجماعات المسلحة، من خلف ظهر السراج، ومنح كل جماعة ما تريد بشرط تنفيذ التوجهات التركية في النهاية.

لم يعلم السراج بأسباب انسحاب مقاتلي مدينة الزاوية بشكل مفاجئ من طرابلس، ولم يعلم أيضا بما يدور من تنسيق يشرف عليه تاركان بين قوات من مصراتة والزاوية، ومع كل من له مصلحة في اقتحام صرمان وصبراتة.

علم السراج بالأمر بعد بدء الهجوم، وكما يحدث عادة، نسب السراج ما حدث كله له باعتباره تفوقا لقواته على قوات الجيش الوطني، مع احتفاء كبير من جانب المنظومة الإعلامية التابعة لتركيا، منذ دخول الميليشيات صرمان وصبراتة حتى اليوم.

أنقرة تنشر الإرهاب في ليبيا
أنقرة تنشر الإرهاب في ليبيا

رصدت إحدى الأجهزة الأمنية الليبية في العاصمة نشاط تاركان منذ منتصف مارس، ومنه يفهم أن عمل هذا الضابط التركي ينصب على منهجين. الأول مهاجمة المدن الهشة الموالية للجيش الوطني، أي التي لا توجد فيها قوات عسكرية بشكل كبير تابعة لقوات الجيش، مثل صرمان وصبراتة، فالأمن في المدينتين كانت تشرف

عليه قوات شرطية موالية للحكومة المؤقتة (تابعة للجيش الوطني)، دون وجود قوات عسكرية تذكر.

والمنهج الثاني، أن تاركان يتجنب جمع زعماء الجماعات المسلحة في بوتقة واحدة، أو إخطار السراج بما يقوم به مسبقا. ويقول ضابط في الاستخبارات الليبية “لم يجتمع تاركان معهم على طاولة واحدة أبدا، منذ قدومه إلى طرابلس، ويدير أغلب عمليات التنسيق الحربية على الأرض بالاتصالات اللاسلكية والهواتف المرتبطة بالأقمار الاصطناعية، ينسق مع السفير أكسن، نعم. لكن لم نرصد له تنسيقا مع السراج”.

وظهر اسم الضابط تاركان على الساحة الليبية عقب تغييرات أجراها نظام أردوغان في المنظومة الأمنية التركية مطلع هذا العام، كما يعتقد مسؤول في الجهاز الأمني المشار إليه في طرابلس، “يبدو أنهم سحبوه من جبهة سوريا، وأعادوا تأهيله في أنقرة، ثم دفعوا به أخيرا إلى هنا”.

وكان السفير أكسن يتابع بإعجاب خطط الضابط تاركان الذي تمكَّن من أن يبرهن على قدرته على إدارة العمل على البر، كما كان يفعل في سوريا، مع أن تخصصه الأساسي هو “ضابط مخابرات في سلاح البحرية التركية”، وفقا للمصادر الأمنية الليبية.

ويتردد على مكتب الضابط تاركان في قاعدة معيتيقة بين حين وآخر قادة ميليشيات محسوبة على حكومة الوفاق، إلا أنهم قادة لا يحبون بعضهم بعضا، وبينهم خلافات تصل إلى الاشتباكات المسلحة بين عناصرهم في قلب العاصمة، لهذا لم يكن تاركان يستقبل مثل هؤلاء القادة إلا فرادى وبمواعيد مسبقة.

وأدرك تاركان مبكرا رغبة ميليشيات مثل “الفاروق” بفرعيها في اقتحام سجون صرمان وصبراتة لإخراج عناصر إرهابية شديدة الخطورة منها، من بينهم حوالي 150 إرهابيا كانوا في سجون صرمان، ومن بين هؤلاء العشرات من جماعة “أنصار بيت المقدس” المصرية.

كما أن سجون صبراتة كان فيها ما لا يقل عن 100 من الإرهابيين، بعضهم من التابعين لجماعة الغرابلي، وهذه الجماعة يقودها قائد ميليشياوي من صبراتة، كان هاربا في مصراتة، وله علاقات قوية مع مجموعات “الفاروق” الإرهابية، وينفذ تعليمات الأتراك في ما يخص تحريك المرتزقة القادمين من تركيا، والإرهابيين المحليين في طرابلس.