أربعة مكوّنات تدعم أردوغان بعد الانقلاب الفاشل

كان التاسع من أكتوبر 2019 اليوم الذي بدأت فيه تركيا ووكلاؤها هجوماً عسكريّاً مفتوحاً على الأراضي السورية الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، والمعروفة على نطاق واسع باسم روج آفا. وقد أضاف الهجوم نقطة سوداء في تاريخ البلاد الحديث مع إراقة الدماء، وكان أثره لا يضاهيه أثر سوى ذلك الذي نتج عن محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو 2016.

لكنّ ما الذي تغيّر في السنوات الثلاث السابقة؟ وبأي شكل تُشير هذه التغييرات إلى مرحلة جديدة في مسار البلاد الوعر؟

في المقال الأول من هذه السلسلة، شرحت التقاء العوامل السياسية الثلاثة التي تميّز نظام ما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، عن الحكومات السابقة وفترات الاستبداد التي مرت بها البلاد من قبل. دعونا نتعمّق أكثر في مناقشة الديناميات التي تميَّز فترة ما بعد التاسع من أكتوبر.

لن نتناول المحدّدات والتيارات الإقليمية والعالمية الأوسع نطاقاً، وسنتركها لتكون موضوع المقال القادم. وباستبعاد هذا الجانب من حديثنا هنا، فإننا نرى أن المرحلة الجديدة من نظام أردوغان تتّسم بمزيج من الديناميّات المحلية على النحو التالي:

دولة عبارة عن شبكة مهترئة ومتشرذمة بشدة، تفتقر إلى الآليات البيروقراطية اللازمة لتحقيق المرونة الكافية.

عبادة الشخص الهزيلة والمعيبة.

العظمة (الإمبريالية) كأداة لحشد المجتمع في الخطاب السياسي.

حالة حرب دائمة (من الصعب الرجوع عنها).

تأسّس حزب العدالة والتنمية في عام 2001 كتحالف، على يد شخصيّات براغماتية انشقت عن حزب الفضيلة بزعامة أربكان، وكان هؤلاء ودودين مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وداعمين للأعمال والتجارة. وكان الهدف من تأسيس الحزب احتضان قطاعات أوسع من المجتمع. بيد أن الحزب لجأ أيضاً إلى تحالفات مع منظمّات خارجية من الأيّام الأولى إلى الآن.

أحد أسباب السعي الذي لا ينتهي أبداً للحصول على شريك، على الرغم من بقاء الحزب في الحكومة على مدى نحو عقدين دون انقطاع، هو أن حزب العدالة والتنمية الحاكم فشل بشكل واضح في النهوض والحفاظ على كوادره. على سبيل المثال، ربمّا هناك حفنة فقط من الشخصيّات المخضرمة والمؤسِّسة في حزب العدالة والتنمية ما زالت تشغل مناصب في الحزب والحكومة والطبقة البيروقراطية.

فضلاً عن ذلك، فإنه حتى خلال الفترة بين عامي 2007 و2011 – إبّان ذروة سيطرة حزب العدالة والتنمية على السياسة التركية – كان من الواضح بشدة أن مقاعد مهمة في أجهزة الدولة كان يشغلها حليف كبير ومهم من حلفاء أردوغان في ذلك الوقت، وهم أنصار غولن. يُظهر هذا مدى أهمية دور أنصار غولن في دفع حزب العدالة والتنمية إلى الأمام في غزوه لمعاقل بيروقراطية أوصياء تركيا القديمة. على الجانب الآخر، فإن هذا ترَكه أيضاً في مواجهة سؤال معقّد بشأن كيفية إعادة تنظيم الطبقة البيروقراطية وشغل مقاعدها بعد عمليات التطهير الواسعة التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة.

شكّل أردوغان بالفعل تحالفاً انتخابياً مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، لضمان أغلبية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان بعد الهزيمة في انتخابات السابع من يونيو 2015. على الرغم من ذلك، فإنه اضطر في أعقاب محاولة الانقلاب في يوليو 2016 إلى دمج المزيد من الجماعات لتجهيز الكوادر اللازمة لشغل الأماكن التي باتت شاغرة في الطبقة البيروقراطية والجيش بعد حملات التطهير الواسعة.

هذه المرة، وعلى عكس الفترات السابقة، سيكون على أردوغان ألّا يكتفي بتبني حليف كبير فقط، وإنما أيضاً أن يتبنّى الكثير من الحلفاء الصغار والأكبر حجماً، والذين عادة ما يكونوا متنافسين أو متخاصمين مع بعضهم البعض. من بين هؤلاء الحلفاء حزب الحركة القومية، وأطياف محددة من الطبقة البيروقراطية القديمة في الجيش والحياة المدنية، بالإضافة إلى عدد من الشخصيات الدينية السُنيّة المتفاوتة التأثير.

لم يكن التحالف الهش الجديد مبنيّاً على التقارب العقائدي، وإنّما على وعد بالولاء لأردوغان ومبايعته، والأهم من ذلك المصالح المؤسسية. ويُغري تعديل الكتلة الحاكمة هذه الجماعات ويجعل لعابها يسيل، في الوقت الذي تُسلّم فيه قيادة أردوغان أجهزة الدولة إلى تلك المجموعات – التي غالباً ما تكون متنافسة ومتصارعة – على طبق من فضة.

وكانت المساعي الناجحة من نصيب أمثال حزب الحركة القومية، الذي له نفوذ سياسي لدى أردوغان، ومن أمثال الكماليين المعارضين للمعاهدة الأطلسية، والذين يمثّلون كوادر مدرّبة جيداً وذات خبرة، أو شخصيات دينية سنيّة "مختارة" وعدت بالولاء التام والطاعة العمياء للزعيم.

دعوني أفتح أقواساً هنا لأُسهب في الحديث عن تأسيس الكتلة الحاكمة بعد محاولة الانقلاب.

يضم هذا التحالف غير المستقر أربعة مكونات رئيسة:

أصحاب الحظوة، وهم الدوائر والأشخاص الذين على علاقة بشخصيات مقربة من أردوغان، أو تجمعهم به صلة قرابة.

النشطاء والمثقفون السُنّة الذين تشبّعوا بأفكار الأممية.

المحافظون الانتهازيون المنتمون إلى اليمين المتطرّف.

أشخاص ومجموعات ولاؤهم وانتماءاتهم الأيديولوجية ليست لحزب العدالة والتنمية، لكنهم مرتبطون بهذه الكتلة من أجل مصالح استراتيجية أو تكتيكية أو شخصية.

والشق الأكثر دينامية في هذا التكتل بالتأكيد هو المكوّن الرابع. جزء من السبب في هذا هو أنهم يُجسّدون قطاعات من التحالف الحاكم، ستستفيد في حالة انتصار أردوغان أو خسارته، وهذه هي المفارقة. وفي حالة السيناريو الأول، فإن ولاءهم لشخصية الصنم المعبود سيكون مفيداً لهم فيما يتعلّق بتأمين حصولهم على موارد الدولة.

وبالنسبة للسيناريو الثاني، فإنه يُزيد نفوذهم السياسي ويمنحهم قدرة على مساومة أردوغان.

من ثم، فلن تكون مفاجأة أن نرى مناورات تكتيكية وتموضعات استراتيجية لجماعات في هذا المكون، الذي يتحدد في ضوئه مصير النظام وتتشكّل ملامح المشهد السياسي في مرحلة ما بعد أردوغان.

وقد تبيّن أن إعادة هيكلة الطبقة البيروقراطية التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة فصل جديد في جهود أردوغان من أجل البقاء وإحكام قبضته على السلطة، والتي تأتي بنتائج عكسية، في أعقاب الفشل في انتخابات 31 مارس 2019 البلدية وسعيْ المحافظين المنتمين إلى يمين الوسط بقوة للبحث عن خيارات سياسية أخرى.

في الوقت ذاته، فإن وزن دائرة أصحاب الحظوة والجماعات غير المنتمية لحزب العدالة والتنمية بلغ ذروته. وسيكون هذا مؤشرّاً آخر على مزيد من الهشاشة في بنيان شبكة الدولة، التي خسرت بالفعل الكثير من طبيعتها النظامية المؤسساتية، وطبقتها البيروقراطية القائمة على الجدارة والاستحقاق، والسمات المميزة للدولة، والفصل الرسمي بين السلطات.

وقد أباحت القرارات التي اتّخذتها القيادة أجهزةَ الدولةَ ومواردها للأقارب والحلفاء الذين يتصارعون ويتسابقون من أجل مصالحهم الشخصية على اختلاف أنواعها.

في المقال التالي، سأتحدّث باستفاضة عن الديناميات الثلاث المتبقية من ديناميات المرحلة الجديدة في نظام أردوغان في تركيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/recep-tayyip-erdogan/four-blocs-propping-erdogans-akp-post-coup
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.