أنقرة تستخدم القوة الناعمة لتوسيع نفوذها الدولي في أزمة كورونا

أنقرة - تلجأ تركيا إلى استخدام المساعدات الإنسانية كجزء من لعبة القوة الناعمة لتوسيع نفوذها الدولي خلال تفشي فيروس كورونا، وذلك على الرغم من أنها متضرّرة بشدة من الأزمة الراهنة، وتحتاج المساعدة أكثر من غيرها، ودخلت حكومتها في التخبط والتشتّت في مواجهتها، ولم تتمكّن بعد من التصدّي لها بأساليب مقنعة، وتعرّضت جرّاء ذلك لانتقادات كثيرة من المعارضة التي اتّهمتها بالتقصير وعدم الكفاءة.

تحرص تركيا المنهكة اقتصادياً، والتي توصف بأنّها دولة مريضة ترزح تحت ضغوطات عدد من الأزمات التي تعصف بها؛ اقتصادية وسياسية وصحية، على إظهار نفسها أنّها قوية وصامدة وتمدّ يد العون لعشرات الدول حول العالم، وتجازف بسلامة مواطنيها على حساب تلميع صورتها الخارجية، في مسعى لتوسيع نفوذها دولياً، واستغلاله دعائياً لفرض نفسها قوّة عالمية تغيث الدول المريضة والمنكوبة والمحتاجة.

من جهة تحاول الحكومة التركية التعتيم على صورتها كمؤجّج للحروب والصراعات في المنطقة، وبخاصة في سوريا وليبيا، عبر استعراض تقديم المساعدات والإغاثات وإرسالها إلى هذه الدولة أو تلك، ومن جهة أخرى تعمل على استعادة نفوذها في دول أخرى عانت من تدخّلاتها في شؤونها الداخلية، وتعرض ورتها كعمّ كريم، وأخ أكبر لا يتوانى عن تقديم المساعدة والعون في الأزمات، من ذلك مساعداتها لدول في منطقة البلقان.  

وفي الأسابيع الأخيرة، زودت تركيا عدداً من الدول المتضررة بالوباء، كإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، بالأقنعة، ووسائل الحماية الشخصية، والمطهرات لدعم المشافي والفرق الطبية في محاربتها لفيروس كورونا.

وقد تبرعت بمساعدات طبية للعديد من دول البلقان التي كانت في الماضي تحت الحكم العثماني، ووافقت على بيع الإمدادات الطبية لإسرائيل - مع توفيرها مجانًا للفلسطينيين - وقالت أيضًا إنها ستبيع الدواء لأرمينيا، وهي دولة كانت تركيا منذ فترة طويلة لديها علاقات متوتّرة معها.

وجاء ذلك في الوقت الذي كانت الميليشيات المتشددة السورية التابعة لأنقرة تقطع المياه عن أكثر من نصف مليون سوري؛ أغلبهم من الأكراد، في محافظة الحسكة وريفها، وذلك بأمر منها، وهي التي تكفل لها السيطرة على محطة علوك الكهربائية، ما فضح مزاعمها الإنسانية، وادعاءاتها الإنسانية.

وقالت جانا جبور خبيرة الدبلوماسية التركية في جامعة ساينس بو في باريس لوكالة فرانس برس "إنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان يريد دائما وضع تركيا كقوة إنسانية تساعد الأقليات المضطهدة والدول المتضررة من الكوارث الطبيعية." وأضافت جبور: "إنّ مسألة إظهار أنّ تركيا دولة قوية لديها الوسائل لتقديم المساعدة للدول الأوروبية المريضة الآن بالمعنى الحرفي والمجازي".

ولكن على عكس التدخلات الإنسانية المعتادة لأنقرة، فإن تركيا الآن حريصة أيضًا على تقديم دعمها للبلدان المتقدمة، لإظهار علوّ كعبها، وأنّها متقدّمة عليهم، لدرجة أنها تقدّم لهم المساعدات والإغاثات..

ومن اللافت أنّ الحكومة تحرص على أن يتمّ تنظيم كل عملية تسليم إلى دولة أوروبي بعناية ودقة، تتابع وسائل الإعلام الرسمية والرديفة لها، العملية ابتداء من إقلاع الطائرات التي تنقل المساعدات على الهواء مباشرة على شاشة التلفزيون، وصولاً إلى التسليم، ونقل الشكر والامتنان لتركيا، قيادة وشعباً، من المتلقين على نطاق واسع في وسائل الإعلام.

مساعدات تركيا دعاية وتسويق
مساعدات تركيا دعاية وتسويق

وتأتي المساعدة بعد فترة من العلاقات المتوترة بين تركيا والاتحاد الأوروبي بشأن أزمة المهاجرين، ودعم اللاجئين السوريين، والخلافات حول سجل تركيا في مجال حقوق الإنسان.

وأشار المتحدث باسم أردوغان إبراهيم كالين إلى أن تركيا كانت أول دولة في الناتو ترسل المساعدة لزملائها أعضاء الناتو إسبانيا وإيطاليا، وأن ما يقرب من 100 دولة طلبت المساعدة من تركيا. كما ربط المساعدة بمكانة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وقال كالين: "إن ترشيح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي جيد لتركيا، ولكنه جيد لأوروبا أيضًا. في الواقع، أثبت هذا الوباء أننا على صواب".

ووصفت صحيفة ديلي صباح الموالية للحكومة تركيا بأنها "رائدة في المساعدات الإنسانية" خلال الوباء، وذكرت أن أردوغان قال يوم الاثنين إن الإمدادات التركية وصلت إلى 34 دولة. وقال "سنواصل دعمنا في الأيام المقبلة أيضا".

وصرح سونر تشاباتي، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، لوكالة فرانس برس أن "هناك زاوية استراتيجية فيما يتعلق بالدول التي اختارتها تركيا لإرسال المساعدة المتعلقة بالوباء". وقالت وكالة الأناضول للأنباء إن نحو 20 ألف قناع، بالإضافة إلى المطهرات والمعقمات تم توزيعها حتى الآن في البلقان.

وقال تشاباتي أنّ تركيا ارسلت امدادات طبية الى خمس دول في البلقان، وهي منطقة كانت يوما تحت الحكم العثماني، لتعزيز صورتها باعتبارها "عمّ كريم". وأضاف: "تركيا تتأكد من أن حكومة طرابلس لا تنهار تحت وطأة الوباء. إنها جزء من صدام أوسع نطاقا بين تركيا ومحور الإمارات ومصر."

كما أرسلت تركيا معدات طبية إلى ليبيا التي تعيش أوضاعاً قاسية، بالموازاة مع استمرار تهريبها وإرسالها شحنات من الأسلحة والمرتزقة إليها، لمساندة الميليشيات المتشددة التابعة لحكومة الوفاق التي تدعمها، وذلك في الوقت الذي توجّه إليها اتّهامات بأنّها أكبر مساهمة في تأجيج الحرب الأهلية، وإطالة أمد الأزمة الليبية.

وفي الوقت نفسه، أتاح الوباء فرصة للتواصل مع دول مثل أرمينيا وإسرائيل، التي كانت لها علاقات فاترة، ومتوترة منذ فترة طويلة مع أنقرة.

ذكرت صحيفة ديلي صباح أنه منذ بدء تفشي كورونا، قدمت تركيا المساعدة الطبية لأذربيجان والبوسنة والهرسك وبريطانيا وبلغاريا والصين وكولومبيا وجورجيا وألمانيا والمجر وإندونيسيا وإيران وإسرائيل وإيطاليا وكوسوفو ولبنان وليبيا، الجبل الأسود، مقدونيا الشمالية، باكستان، فلسطين، الفلبين، بولندا، قطر، صربيا، الصومال، إسبانيا، تونس، قبرص التركية، الولايات المتحدة، اليمن، ومسلمي الروهينغا.

أنقرة في نفق مظلم
أنقرة في نفق مظلم