السلام في تركيا في الأول من سبتمبر بين اليأس والأمل

لقد عدتُ إلى مدينتي ديار بكر بعد رحلة طويلة. أول ما أذهلني هو زيادة الحواجز الأمنية الموضوعة في شوارع المدينة بعد تعيين الحراسة القضائية على البلدية مؤخرًا. وبالتوازي مع ذلك، زادت عدد الدبابات والسيارات المدرعة أيضًا.  

رأيت أن مدخل شارع "ليسه" (الثانوية)، حيث يوجد مكتبي، تم إغلاقه أمام حركة المرور بسبب الاحتجاجات على الحراسة القضائية التي تكاد تنظّم يوميًا. 

أذهب أولًا إلى بلدة سور وأتحدث مع اثنين من التجار، فيقول صاحب متجر صغير للنحاس بإن الأعمال قد انخفضت بنسبة 50% بعد تعيين أوصياء على البلدية التابعة لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد. بينما يقول أحد أصحاب الفنادق إن هناك انخفاضًا سريعًا في عدد السياح القادمين.

وينقل صاحب متجر عن شرطي قوله "نحن نحتجز ونعتقل كل من نصادفه، لكن صدقونا نحن أيضًا لا نعلم السبب. لقد سئمنا من ذلك، إلى متى سوف يستمر هذا؟ يقولون لنا: خذوهم، فنأخذهم. ليس بيدنا من حيلة."  في حين أن صاحب متجر آخر يخاطبني قائلاً: "يا سيدة نورجان، لا يكون أي شيء على ما يرام في غياب السلام، بما يشمل أعمالنا اليومية."

أغادر بعد ذلك بلدة سور لأصل إلى ميدان المحطة، حيث ستقام تظاهرات بمناسبة يوم السلام العالمي في الأول من سبتمبر. ولأنه عندي تجارب من السنوات السابقة وأعلم أن السلطات لا تسمح بحمل أحمر الشفاه وقلم رصاص إلى ميدان التظاهرات في السنوات الأخيرة، أحتفظ ببعض الأقلام في أجزاء مختلفة من حقيبتي، على أمل ألا يراها رجال الشرطة، وأتمكن من تسجيل ملاحظاتي. 

لقد تجمّعنا مع آخرين عند نقطة التفتيش الأولى في الساعة الرابعة إلا خمس دقائق. وقالت السيدة الشرطية عند نقطة التفتيش إنهم لن يسمحوا للمتظاهرين بالدخول إلى الميدان قبل الساعة 4:00. إلى أن أشارت عقارب الساعة إلى 4:00، لكن الشرطة لم تزال ترفض انتقال الناس إلى الميدان. كانت أمامي أمهات "السبت"، اللائي تعرض أولادهن للاختفاء القسري على يد الدولة، وهنّ مرتديات حجابا تقليديا مصنوعًا من القماش القطني الأبيض، وفي أيديهنّ قبعات من ورق  وزعها عليهنّ حزب الشعوب الديمقراطي عند مدخل الميدان. وتقول الشرطية هذه المرة إنها لن تسمح لهنّ بالوصول إلى الميدان بهذه القبعات. أتساءل "لماذا؟" فتردّ قائلة: "ممنوع"، ثم تفسر السبب بأن القبعات مدون عليها عبارة "السلام النبيل، والحل الديمقراطي ضد الحرب". 

لم نتمكن من دخول الميدان إلا بعدما نزع رجال الشرطة القبعات ورموها في سلة المهملات. غير أننا ما إن تقدمنا 100 متر إلى الأمام حتى اعترضت أمامنا حواجز حديدية ونقاط تفتيش جديدة، وذلك من أجل العثور على الأدوات المحظورة في نقطة التفتيش الثانية إن لم يتم العثور عليها في نقطة التفتيش الأولى، الأمر الذي يثير غضبنا. نقول في أنفسنا "صبرًا جميلاً" ونتخطى نقطة التفتيش الثانية أيضًا. لحسن الحظ، تمكنت من تمرير قلم واحد، فيما وضعت الشرطة يدها على 3 أقلام أخرى كنت خبأتها في إحدى زوايا حقيبتي.

بدأ الميدان يملأ بحشود غفيرة رويدا رويدا. وقد جلست لفترة من الوقت مع أمهات السبت، فقالت لي إحداهن: "يا ابنتي لا أكثر ولا أقلّ، اكتبي الحقيقة فقط. على الرغم من كل هذه الأشياء نحن نريد السلام". فأجبتُ عليها قائلة: "السلام بعيد عنَّا يا أماه"، وعندها ردّت الأم بقولها: "السلام قريب جدًا منا إذا رغبوا في ذلك." 

بعد برهة من الزمن يدخل الميدان ممثلو اتحاد النقابات العمالية وهم يحملون لافتات من القماش الأبيض. هناك من أتوْا مع أطفالهم، وهناك من يرقصون رقصة "الهالاي"، ومعظمهم كانوا من الشباب. عندما رأيت أناسًا يدخلون الميدان بالقبعات سألتهم "لماذا لم يأخذوا قبعاتكم؟". أجابوا بأن الشرطة في نقطة التفتيش الأولى لم تتدخل في القبعات أبدًا، مما يدل على أن نزع القبعات كان تصرفا تعسفيا. 

لم نرَ في الميدان اللافتات المدون عليها عبارات تنتقد إجراءات نظام أردوغان مثل تعيين حراسة قضائية على بلديات كردية، والانتقادات الموجهة لقصره الفاخر ولغته القتالية، بعدما حظرت السلطات استخدام مثل هذه الهتافات في الاجتماعات والتظاهرات. لكن لفت انتباهي اللافتات التي احتوت على شعارات تدعو إلى السلام والحوار.

في حين علّق حزب الشعوب الشعوب الديمقراطي لافتات من الأقمشة الكبيرة على أماكن مختلفة من الميدان مكتوبة عليها: "لا نصمت، لا نخاف، لا نطيع، بل نقاوم". "المرأة حياة، فلا تقتل الحياة"، "فزنا بالبلديات معًا وسندافع عنها معًا"، "لا لمن يحاولون اغتصاب مكاسبنا"، "نريد الديمقراطية والسلام إزاء الفاشية والحرب"، "حل ديمقراطي للقضية الكردية في ظل جمهورية ديمقراطية" وأمثالها من العبارات.

الأغاني أيضًا كانت تتحدث عن السلام. كما أن اللجنة المنظمة للتظاهرة أطلقت من وقت لآخر تحذيرات بشأن الشعارات والهتافات لمنع استخدام تلك التي لم تحدد من قبلها. وعلى الرغم من ذلك فإن الميدان شهد من حين لآخر رفع شعارات من قبيل "سيرحل الأوصياء، وسيأتي الشعب".

لقد امتلأ الميدان عن آخره بحشود متحمسة خلال مدة قصيرة، وحظي الخطاب الذي ألقاه رئيس بلدية ديار بكر المعزول سلجوق مزراقلي بتصفيق حار من قبل الحضور. وكانت الخطابات يعقبها الأغاني ليستنشق أهالي ديار بكر نسمات وآمال السلام مرة أخرى. 

عندما غادرت الميدان لاحظت أن الإجراءات الأمنية التي رأيتها أثناء دخولي إلى الميدان ازدادت بشكل ملحوظ. الشوارع التي مررت بها عند دخول الميدان أصبحت محاطة بالحواجز الأمنية. ومع أنني أخبرت رجال الشرطة بأن سيارتي موجودة في هذا الشارع، غير أنهم ردوا قائلين: ممنوع.

وقال رجل عجوز كان بجواري في الميدان: "كفى، لماذا تخافون إلى هذا الحدّ!؟"، ثم انصرف متمتمًا إلى طريق آخر. وبعد فترة من الوقت تسنى لي الوصول إلى الشارع بسلوك طرق مختلفة. لكن هذه المرة تتحول العودة إلى المنزل إلى أمر مؤلم. في الواقع، أصبحت الطرق في ديار بكر تؤلم الناس منذ عام 2015. حيث أغلقت العديد من الطرق السريعة لأسباب أمنية، وتظلّ في العديد من الأماكن حواجز أمنية منذ عام 2015. تعد الدبابات والسيارات المدرعة والحواجز الأمنية ونقاط التفتيش جزءًا طبيعيًا من حياتنا اليومية، وتكون الطرق مناسبة لهذا الوضع بطبيعة الحال وتبدو وكأننا خرجنا من الحرب.

يبدو السلام بعيد جدًا عنا في الأول من سبتمبر الجاري أو ربما هو قريب منّا كما قالت تلك الأم المكلومة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاَ:

https://ahvalnews.com/tr/baris/1-eylul-baris-bize-cok-uzak-belki-de-yakin
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.