المعنى الصحيح لمصطلحات أردوغان الفضفاضة

يرى الكثير من التُرك في الرئيس رجب طيب أردوغان قائداً كبيراً، ورئيساً لأركان الجهاديين في المنطقة، وحامي حمى المسلمين حول العالم؛ لكن ذلك الزعيم المغوار المحبوب لا يتحدث أي لغة أخرى سوى التركية الركيكة، ولهذا السبب لا يفهمه سوى ملايين التُرك بسهولة. وباستثناء هؤلاء، فالجميع يحتاجون إلى قاموس لكي يستشفُّوا معاني لغة ذلك الرجل المضللة. لذا، دعونا نبدأ ببعضٍ من مفاهيمه التي تتكرر كثيراً.

إرهابي: أي شخص، سواء كان مواطناً أو أجنبياً يتحدى حكمة أردوغان في أي منحى من مناحي الحياة. هذه الكلمة الفضفاضة تحمل الكثير جداً من الدلالات التي تجعل من السهل التباسها. على سبيل المثال، عندما تهبط الليرة مقابل الدولار، يتحدث شعبه عن "إرهاب الدولار". وعندما يرفع تجار الجملة أسعار الغذاء، يشجب أردوغان "إرهاب الفاكهة والخُضَر". لكن كلمة "إرهابي" تنطبق بشكل أعمّ على الأكراد أينما كانوا. ويُنظر إلى الأكراد على أنهم يشكلون تهديداً وجودياً على أي شيء تركي. وتوافق المعارضة على هذا الأمر. وأي شخص من الممكن أن يصبح في يوم من الأيام "إرهابياً" في نظر أردوغان.

المخاوف الأمنية المشروعة: مصطلح أخر فضفاض، والشكل الحديث من عبارة "التُرك ليس لهم أصدقاء سوى التُرك،" التي تعبر عن حالة من جنون الشك. فقد بُنيت الجمهورية التركية على جثث الكثير من العرقيات بعد انهيار الدولة العثمانية، التي كان بها تعدد عرقي وديني ولغوي ثري دمرته الجمهورية التركية بشكل ممنهج. ومنذ ذلك الحين، وبعد مرور قرن من الزمان، ما زالت تلك الجمهورية تعمل على الوصول إلى نموذجها الأمثل لأمة تركية لا تتسم بالتنوع، بل بالتطابق العرقي والديني واللغوي. وقد تم تحقيق التطهير العرقي والديني إلى حد كبير من خلال إبادة الشعوب غير المسلمة، وفرض اللغة التركية دون غيرها. والطائفتان الوحيدتان اللتان لم تتخليا بعد عن هويتيهما الخاصة هما الأكراد والعلويون، الذين لا ينتمون إلى الأغلبية التركية السنية.

وبسبب تاريخ التطهير العرقي والديني والمحاولات الحالية لفرض الثقافة التركية على العناصر الأخرى في المجتمع، فقد بات من الطبيعي أن تلاحق تركيا المخاوفُ الأمنية، نظراً لأن أياً من الأعمال الوحشية والإبادات الجماعية والمذابح والقتل والتهجير الجماعي لم يخضع للمحاسبة الملائمة أو تتحقق العدالة بشأنه. بمعنى آخر، فإن شعور تركيا بعدم الأمان أمر متُوقع لأنها بُنيت على أساس هش رواه مؤسسو الجمهورية بدموع ودماء الضحايا.

لكن هل هذه التهديدات حقيقية؟ المسؤولون في الغرب وفي حلف شمال الأطلسي على وجه الخصوص يسارعون دائماً بتبني الرواية التركية حول المخاوف الأمنية المشروعة. فتلك المخاوف "المشروعة" هي ورقة التوت التي تستر سوءاتهم لكي لا يفعلوا أي شيء، ولا حتى إدانة الإجراءات القسرية وأعمال القمع اللامتناهية التي ترتكبها تركيا.

يحدث هذا على الرغم من أن المسؤولين الغربيين يعرفون جيداً جداً عدم صحة هذه الادعاءات. ولا يوجد بلد واحد في العالم يهدد أمن تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. بيد أن ينس ستولتنبرغ، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، والذي يعرف جيداً حقيقة تلك اللاتهديدات، يظل يشير دائماً إلى المخاوف الأمنية التركية المشروعة.

والمخاوف الأمنية التركية المشروعة هي في الأساس ناتجة عن الصراعات التي يحتاجها أردوغان لإحكام قبضته واستخدامها كدرع في مواجهة محاولات الانقلاب عليه. وقد اتضح أن شراء تركيا صواريخ الدفاع الجوي الروسية الصنع من طراز إس-400 كان الهدف منه حماية قصر الرئاسة.

المنطقة الآمنة: تُعرف هذه المنطقة أيضاً بمصطلح مشؤوم هو "ممر السلام،" وهي نتاج للمخاوف الأمنية التركية، والسبب الرئيس لهجومها المسلح على كردستان السورية، وعلى قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد. وقد روّج أردوغان نفسه لهذه المنطقة الآمنة المزعومة، حتى إنه عرض خريطة لها خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر. تلك المنطقة ليست سوى نسخة القرن الواحد والعشرين من الحدود التي شكلت الإمبراطورية الرومانية منها حزاماً حصيناً. تلك المنطقة، التي استُخدمتها منذ ذلك الحين جميع الإمبراطوريات الأوروآسيوية، وخاصة الإمبراطورية البيزنطية والدولة العثمانية، تشمل إقامة منطقة عازلة تضم مجموعات مسلحة من أي عرقية، تدفع لهم السلطة المركزية الأموال وتبقيهم في تلك المنطقة، على أن تكون للسلطة المركزية الحرية في مضايقة الجانب الآخر من الحدود وضمان مستوى معين من الاستقرار في المناطق الحدودية الملتهبة. ويسعى أردوغان إلى تطهير هذا الممر من الأكراد وغيرهم من الجماعات غير المرغوب فيها، وأن يحل محلهم لاجئون سوريون وجهاديون مأجورون بصحبة أسرهم.

الجيش الوطني السوري: يتكون الجيش الوطني السوري من نحو 110 آلاف جندي غير نظامي، كانوا ينتمون في السابق إلى عدد من الجماعات الجهادية، بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية. ويُسمح لهؤلاء بارتكاب أعمال السلب والنهب، وأخذ الرهائن، وتلقى الرشا، والقتل، والترويع بحق السكان المحليين في المناطق المحتلة بالفعل ضمن المنطقة الآمنة، لكي يُجبروا السكان على الفرار. هذا الجيش غير النظامي هو العمود الفقري للعمليات العسكرية التركية في سوريا.

الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية: أُسطورة تركية. يؤكد المبعوث الأميركي السابق للمنطقة، بريت ماكغورك، الأمر المعروف لجميع أجهزة المخابرات حول العالم.

"تل أبيض، وهي بلدة حدودية سورية، كانت طريق الإمداد الرئيس لتنظيم الدولة الإسلامية من 6/2014 إلى 6/2015، عندما كانت الأسلحة والمتفجرات والمقاتلون يتدفقون بحرية من تركيا إلى الرقة والعراق. رفضت تركيا طلبات متكررة ومفصلة لإغلاق الحدود من جانبها بمساعدة الولايات المتحدة ودعمها.

رفضت تركيا أيضاً خلال تلك الفترة السماح للجيش الأميركي بالانطلاق من قاعدة إنجرليك الجوية لضرب مواقع تنظيم الدولة الإسلامية، حتى في الوقت الذي تدفق فيه مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية على سوريا من تركيا.

"في يونيو 2015، بعدما لم تتحرك تركيا، وكانت الحدود مفتوحة على مصراعيها، سمحنا لمقاتلي قوات سوريا الديمقراطية بتطهير تل أبيض. وبعد المعركة، أغلقت تركيا الحدود (على قوات سوريا الديمقراطية، لا على تنظيم الدولة الإسلامية) وبنت جداراً...

"بعد خسارة تل أبيض، نظّم تنظيم الدولة الإسلامية مقاتليه الأجانب في بلدة منبج واستمر في التخطيط لهجمات كبرى في أوروبا. وعلى مدى أكثر من ستة أشهر، عملنا مع تركيا وجماعات المعارضة التي وافقت عليها، للتحرك في مناطقها من الغرب إلى الشرق للاستيلاء على منبج. هؤلاء المقاتلون تلقوا دعماً أكبر من الذي تلقته قوات سوريا الديمقراطية – لكنهم لم يستطيعوا تحقيق تقدم، وبعضهم أعطى أسلحة حصلوا عليها من الولايات المتحدة للجماعات التابعة لتنظيم القاعدة في شمال غربي سوريا.

"ثبتت صحة التهديدات بوجود خطر في نوفمبر 2016، عندما توجه فريق قتالي من تنظيم الدولة الإسلامية إلى باريس، قادماً من منبج عبر تركيا، وقتل 131 شخصاً. أعقبت ذلك التفجيراتُ الانتحارية التي نفذها تنظيم الدولة الإسلامية في مطار بروكسل، مستعيناً أيضاً بفريق سافر من سوريا عبر تركيا.

"بعد هجمات باريس، ومع زيادة التهديدات، مكنّا قوات سوريا الديمقراطية من الاستيلاء على منبج من خلال معركة مكلفة استمرت لأشهر على الرغم من معارضة تركيا. ومنذ ذلك الحين، لم تحدث أي هجمات جديدة تستهدف أوروبا".

إذن، في ظل عودة الراعي الرئيس لتنظيم الدولة الإسلامية إلى المنطقة، فإن المخاطر كبيرة، خاصة في ظل تحرير الآلاف من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية الذين كانوا مسجونين، وستُترك الحرية لآلاف الجهاديين تحت المظلة التركية في إدلب وكردستان سوريا، ليرتكبوا أفعالاً إرهابية في المنطقة وفي الخارج.

وأخيراً، وليس آخراً، فإن القضاء على أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، في قرية سورية مجاورة للحدود التركية له دلالات كبيرة على العلاقات التي تربط أنقرة بذلك التنظيم الجهادي المتطرف.

الحرب ضد الإرهاب: بالنسبة لتركيا، لا تعني الحرب ضد الإرهاب أي شيء أكثر من القضاء على الأكراد، الذين تعتبرهم ببساطة إرهابيين، ومن ثم هم معرضون إلى كافة أشكال سوء المعاملة. وكان هناك بطء من جانب المجتمع الدولي في فهم هذه الخدعة، لكنه بدأ الآن ينظر إلى الهجوم التركي على كردستان السورية على أنه تطهير عرقي. وبالنسبة لأكراد تركيا، فإن المجتمع الدولي ذاته ما زال صامتاً إلى حد كبير، ويوافق تكتيكياً على الظلم والانتهاكات المستمرة والفاشية، من جديد باسم "الحرب ضد الإرهاب".

الاستعمار والإمبريالية: أخيراً، فإن الاستعمار والإمبريالية في قاموس أردوغان هما مفهومان ينطبقان على أي بلد، خاصة البلدان الغربية، لكن ليس على تركيا، على الرغم من أنها مشغولة بمحاولة إعادة صياغة نموذج جديد للأراضي التي تحتلها في قبرص وسوريا عبر وسائل استعمارية وإمبريالية بكل ما تحمل الكلمة من معان.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/recep-tayyip-erdogan/decoder-erdogans-newspeak
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.