الحكومة ترسل الجنود إلى الموت في سوريا

نعلم جميعاً أن تركيا تخوض، في الوقت الراهن، حرباً على الأراضي السورية. وعلى الرغم من أن أمر هذه الحرب معلوم لدينا، إلا أننا لا نزال نجهل حقيقة ما يجري هناك بشكل كامل؛ لأن الكثيرين منا لا يهتمون كثيراً بأمر تلك الحرب. وهو أمر ليس غريباً علينا؛ فلم يكن الكثيرون منا على دراية بما تعرضت له مدن الأكراد من هدم وتخريب بعد عام 2015.  

وفي حقيقة الأمر، إن الحرب تؤثر على تركيا فقط، وقد تأتي عليها بقبضة واحدة مباغتة. وعلى الجانب الآخر، وجد المعارضون أنفسهم مضطرين لأن يصمتوا؛ لأن هناك حظراً على الحديث في هذا الموضوع. ممنوع أن تسمي الحرب "حربًا"، وفي المقابل يمكنك الحديث عن السلام كيفما شئت.

ومع ذلك، لم تمح هذه الحالة الروحية المريضة تلك الحالة اللاأخلاقية التي التصقت بنا. لا يوجد لدينا أي أثر من ردود الأفعال المجتمعية على معارك مماثلة في العالم. وأقصد هنا المعارك الظالمة، وليس المعارك التي تخوضها الجيوش دفاعاً عن النفس. وعلى عكس المنطق السليم، كان الجميع راضين، سعداء.  

أقدمت تركيا على احتلال أراضي جارتها، متدثرة بخرافة "المخاوف الأمنية"، التي عجزت عن إقناع أي من دول العالم بها، متوشحة بغطاء قانوني، اختصرته في عبارة "حق الدفاع عن النفس". وحتى تكتمل الأكذوبة، أطلقت على تحركاتها العسكرية مُسميات مجازية مثل "غصن الزيتون" ونبع السلام". وراح الجميع، رجال السلطة والمعارضة، ينشدون معاً أناشيد الفتح.

لقد اعتبروا وضع طفل صغير، خرج من بطن أمه حديثاً، يده على رأسه بالمصادفة، أنه يؤدي التحية العسكرية، وراحوا يتغنون بطالب المرحلة المتوسطة، الذي استقبل وزير الدفاع بالتحية العسكرية، وبلاعب الفريق القومي، الذي أدى التحية العسكرية، هو الآخر، عندما أحرز هدفاً. لم تفرق السلطة الحاكمة بين الشاب، الذي التحق بالجيش بنظام التعاقد، بين الشاب الذي خاطر بحياته مقابل الحصول على راتب، والجندي النظامي في الجيش، وهم يدفعون بهما على حد سواء إلى الحرب متمنين أن يعودا سالمين. كان الجنود يتسابقون ليلقوا حتفهم.

 أما الذين ودَّعوهم، داعين الله أن يعيدهم سالمين، فتعرضوا، ولا يزالون، لأشد المحن في حياتهم كلها. لم يتورع الجيش المأجور المسمى ﺒ "الجيش الوطني السوري"، الذي يتعاون مع القوات المسلحة التركية المجيدة، عن ارتكاب أبشع جرائم حقوق الإنسان هناك، ولا يزال يفعل إلى الآن. أنصحكم بقراءة مقالة إليزابيث تسوركوف الرائعة المنشورة في "نيويورك ريفيو أوف بوكس"، التي توضح الكثير من الحقائق في هذا الشأن.

في تلك الأثناء، تحولت سوريا (والعراق) إلى ساحة لاختبار الطائرات المُسيَّرة المسلحة التي يُنتجها صهر أردوغان. وهذا يعني أن تركيا احتلت أراضي جيرانها بآلات القتل بشتى أنواعها.

لقد صارت الأخبار القادمة من المناطق المحتلة محدودة للغاية، ولم يعد للصحافة المستقلة أثر يُذكر بعد أن صار تداول الأخبار من المحظورات. ومع هذا، فإنه يمكننا الوصول إلى حقيقة ما يدور هناك عن طريق مُطالعة الأخبار المنشورة في وسائل الإعلام الأجنبية، وفي الصحف التي تُنشر خارج تركيا.  

تمكنا، بفضل ما ينشره المرصد السوري لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وعدد من الصحفيين السوريين والأجانب، من معرفة حقيقة ما يدور على الأراضي السورية، ومدى جرائم الحرب والتطهير العرقي، التي يرتكبها الجيش التركي، بالتعاون مع الجماعات الجهادية المسلحة هناك، وأبعاد ذلك، والإجراءات التي تقوم بها الحكومة التركية من أجل العبث بالتركيبة السكانية في المناطق الحدودية. كل هذا والرأي العام التركي في غفلة من أمره؛ لا يتلقى الخبر الصحيح، وحتى إن وصل إليه فهو لا يهتم.  

خلاصة الأمر، لقد أدت التحركات العسكرية، التي تنفذها القوات التركية على الأراضي السورية، إلى تعرض مئات السوريين، أغلبهم من الأكراد، للقتل. أما أعداد المصابين، فهي غير معروفة. لقد ارتكبت تركيا جرائم حرب مُعلنة ضد المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن.

  لم يسمع الرأي العام في الداخل أيضاً عن الاتهامات الموجهة لتركيا بخصوص استخدام الجيش التركي، في حملته الأخيرة، غاز الفوسفور السام ضد المواطنين، وعن الجهود التي بُذلت لعرقلة فتح تحقيق دولي في هذا الأمر. 

من ناحية أخرى، اضطر الأكراد، مع عناصر أخرى، إلى الفرار من المناطق التي احتلتها القوات التركية. ومن بقي منهم، تم إقصاؤه بالقوة من تلك المناطق. وتُقدر أعداد هؤلاء بمئات الآلاف. لقد تعرض المقيمون في تلك المناطق لجميع أنواع البلطجة، ووصل الأمر إلى حد احتجاز بعضهم، ومطالبة ذويهم بدفع فدية لإطلاق سراحهم مرة أخرى، كما تمت مصادرة منازل سكان هذه المنطقة وحدائقهم،  وعُرِّضت مصادر رزقهم، وخاصة مزارع الزيتون للسلب والنهب. لقد كانوا يذهبون لبيع الزيتون وزيت الزيتون، الذي يسرقونه، في أوروبا عن طريق تركيا.  

وفوق هذا وذاك، قاموا بسرقة الآثار التاريخية الموجودة في المناطق، التي احتلها الجيش التركي، تمامًا كما حدث في عام 1974، عندما دخلت القوات التركية إلى الشطر الشمالي من جزيرة قبرص.. كما تعرض نصف معبد "عين دارة"، الذي يرجع تاريخه إلى العصر الحديدي قبل 3000 عام، إلى التدمير، بعد تعرضه للقصف من جانب الطائرات التركية، في حين تم بيع الآثار التاريخية الموجودة في الجزء، الذي نجا من القصف، في مزاد علني. 

قامت القوات التركية في البداية بتوطين العناصر الموالية لتركيا في الأماكن التي قامت بإخلائها من سكانها الأصليين، وهم الآن يواصلون معا تنفيذ سياسة التطهير العرقي والتوطين القسري والهندسة السكانية في باقي المناطق.

يقوم الجيش التركي كذلك بتقسيم المناطق، التي احتلها، إلى أربعة أجزاء؛ يرتبط كل جزء منها إدارياً بمنطقة مقابلة لها على الجهة الأخرى من الحدود التركية. وقد تم فرض النظام التركي على الخدمات في كافة المناطق، بما في ذلك خدمات البريد والشرطة والبنوك والجامعات، كما أنهم يرفعون العلم التركي في كل مكان هناك، وفوق المدارس أيضاً. والأطفال في تلك المناطق يتعلمون اللغة التركية في المدارس. وهذا يعني أنهم يقومون بعملية "تتريك" علنية في المناطق التي احتلها الجيش التركي.  

ومما يتردد اليوم صراحةً في جميع وسائل الإعلام العالمية أيضاً أن تركيا تُعتبر أحد العناصر المسؤولة الرئيسة عما حدث في سوريا. ولو أن تركيا لم تتدخل في سوريا، لكانت آثار الخراب والدمار، الذي لحق بها، أقل مما هو عليه بكثير. وهذا يعني أن مسؤولية تركيا لا تقتصر على المناطق التي احتلتها في شمال سوريا فحسب.  

لا شك أن الحرب، التي شنَّها النظام الحاكم في أنقرة على سوريا، كان الهدف الأول منها هو إنقاذ النظام نفسه. ومع ذلك، فموقف المعارضة المحلية والقومية من هذا العدوان، ودعمها له، ليس له توصيف آخر سوى أنه حالة من فقد المسؤولية الجماعية. وفي رأيي، إن هذا هو الفصل الأخير في تاريخ عدم المسؤولية لدينا الذي يمتد لأكثر من مائة عام.  

أعتقد أنّ تركيا لا تريد أن تبذل أي جهد لتكون على بينة من أهوال الحرب، وما ارتكبته من جرائم. وهذا اتجاه عام لدى الجميع؛ من اليمين إلى اليسار، ومن السلطة القومية والمحلية إلى المعارضة. إن الجميع يتغافلون عن الحقيقة، ويواصلون حياتهم اليومية، غير عابئين بما يحدث حولهم.

________________________________________

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahval.me/tr/suriye/ayagina-tas-degmesin-ama-tas-tas-ustunde-de-birakmasin
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.