الأزمة القبرصية جيوسياسية وأبعد من أرباح موارد الطاقة

صيف ساخن آخر في شرق البحر المتوسط. أرسلت تركيا سفينتي تنقيب وسفينة البحوث الزلزالية، خير الدين بربروس باشا، إلى ساحل قبرص. ترى الحكومة القبرصية، التي لا تعترف بها أنقرة، ذلك توغلاً في منطقتها الاقتصادية الحصرية.

يرى الاتحاد الأوروبي، الذي تنتمي قبرص إلى عضويته، الأمر من نفس المنظور. ففي الخامس عشر من يوليو، قرر اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قطع بعض المساعدات المالية عن تركيا وتعليق المحادثات بشأن اتفاقية النقل الجوي وإلغاء الحوار الثنائي، رداً على ذلك.

تصر تركيا على أنها تعمل بناءً على تفويض من جمهورية شمال قبرص التركية الانفصالية المعلن عنها ذاتياً وأن القبارصة الأتراك يستحقون نصيبهم العادل من رواسب الهيدروكربون. ولدى أنقرة أيضاً مطالبات على أجزاء من المنطقة الاقتصادية الحصرية. تقوم تركيا بالتنقيب وتشير إلى أنها ليست في وضع تقديم تنازلات.

بعد خطوة الاتحاد الأوروبي مباشرة، هدد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بإرسال سفينة رابعة، سفينة البحوث الزلزالية أوروج ريس، إلى المياه القبرصية. وأعلنت قيادة القوات البحرية التركية الأسبوع الماضي أنها ستوفر غطاءً جوياً، بطائرات دون طيار وطائرات هليكوبتر، بالإضافة إلى فرقاطات وطرادات وسفن هجومية ترافق المهمة الحالية.

تتحد أيضاً قبرص وحليفتها اليونان من أجل الدفاع عن مصالحهما. قام رئيس الوزراء اليوناني المنتخب حديثاً كيرياكوس ميتسوتاكيس بزيارة إلى نيقوسيا استغرقت يومين. يبحث البلدان عن دعم خارج الاتحاد الأوروبي. وفي اجتماع عقد في أثينا، حث وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس ونظيره المصري سامح شكري تركيا على التراجع.

وبقدر خطورة الأزمة وإثارتها للقلق، فقد تترك شخصاً غير مطلع على مجريات النزاعات اليونانية التركية وقضية قبرص في حيرة. فشلت سفينتا التنقيب التركيتان، السفينة يافوز التي وصلت حديثاً، والسفينة فاتح الموجودة في المنطقة منذ شهر أكتوبر، في تحقيق أي اكتشاف يُذكر للنفط والغاز. حتى لو تحقق ذلك في المستقبل، وهو أمر غير مرجح، فإن احتمالات تحويل الاكتشافات إلى مشروع مربح لا تبعث على التفاؤل بالضرورة. لا تملك الشركات التركية التكنولوجيا اللازمة لاستخراج الهيدروكربونات من المياه العميقة بكميات كافية.

إن تهديد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات، وكذلك عدم اليقين القانوني فيما يتعلق بوضع المنطقة الاقتصادية الحصرية، سيثني شركات الطاقة الدولية عن المشاركة. وسيمثل نقل النفط لا سيما الغاز الطبيعي إلى تركيا، والتي يُفترض أن تكون المستهلك الرئيسي، مشكلة أيضاً. يستفيد السوق التركي بالفعل من إمدادات الغاز الوفيرة من روسيا وإيران. وينقل خط أنابيب آخر كميات من بحر قزوين.

كانت هناك أيضاً زيادة في عمليات شراء الغاز الطبيعي المسال بسبب انخفاض الأسعار من مصدرين مثل الجزائر ونيجيريا وقطر، وبالطبع الولايات المتحدة، التي تحرص على الاستحواذ على حصة أكبر من الأسواق العالمية. منذ عدة أسابيع، تم تشغيل وحدة جديدة عائمة لإعادة التسييل والتخزين في ميناء ألياجا في أزمير، لتحل محل منشأة بسعة منخفضة تعمل في الخدمة منذ ثلاث سنوات. باختصار، قد يكون بيع الغاز في شرق البحر المتوسط صعباً.

يحمل التصعيد حول سواحل قبرص طبيعة سياسية بحتة. تؤكد تركيا دورها كقوة مهيمنة في المنطقة كما أنها تشير إلى التحالف الناشئ بين اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر. وتعمل أنقرة على تعزيز نفوذها في حالة استئناف محادثات إعادة توحيد قبرص، التي انهارت في يوليو 2017. ومن المقرر أن يجتمع الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس يوم التاسع من أغسطس مع زعيم القبارصة الأتراك مصطفى أكينجي، رئيس شمال قبرص غير المعترف بها.

يتمثل موقف أناستاسيادس في عدم إجراء أي مناقشات جوهرية ما لم تسحب تركيا سفنها. لكن إذا فشلت عقوبات الاتحاد الأوروبي في إحداث فرق ولم تصعد الدول الأعضاء الضغط على أردوغان بعقوبات إضافية، فقد يخطو خطوة إلى الأمام ويطلق شكلاً من أشكال الحوار لنزع فتيل التوترات. ومن غير المرجح أن يخفف ميتسوتاكيس موقفه بالنظر إلى الناخبين القوميين في حزبه، الديمقراطية الجديدة المحافظ. إن تغيير موقفه تماماً فيما يتعلق بمقدونيا الشمالية، وهي "قضية قومية" أخرى بالنسبة لليونانيين، لا يترك مجالاً للمناورة بشأن العلاقات الحساسة دائماً مع تركيا.

الجدير بالذكر أن روسيا، الشريك القديم للقبارصة اليونانيين، اتخذت هذه المرة صف تركيا. فقد انتقدت وزارة الخارجية في موسكو العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على أنقرة. وقال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إن روسيا يمكن أن تساعد الأتراك في تطوير النفط والغاز البحريين في شرق البحر المتوسط. وعلى الرغم من تعاون موسكو مع المنافسين الإقليميين لأنقرة - تملك شركة روزنفت المملوكة للدولة عقداً في حقل ظهر للغاز في مصر - إلا أنها ستبذل قصارى جهدها لجني الأرباح التجارية والجيوسياسية. تخدم المناوشات على الجهة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) المصالح الروسية.

تبقى الولايات المتحدة غير متوقعة. فعلى الرغم من أنها لها مصلحة في الأزمة، لا سيما بسبب مشاركة شركتي إكسون موبيل ونوبل، إلا أنها لا تتدخل بشكل يُذكر. ما تزال العلاقات مع تركيا متوترة كما هي بسبب الخلاف بشأن صواريخ إس-400 الروسية وسوريا. ولكن في حالة التصعيد، قد تتدخل الولايات المتحدة بسهولة. ففي عام 2018، عندما اشتدت التوترات، رافقت البحرية الأميركية سفن التنقيب التابعة لشركة إكسون موبيل. كان هناك أيضاً انطلاق لشراكة 3 + 1 بين الولايات المتحدة واليونان وقبرص وإسرائيل التي تغطي الأمن والطاقة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/eastern-mediterranean/cyprus-crisis-about-geopolitics-not-energy-profits
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.